واحة الحرية

(( دوحة الحرية))

فتح في إطار جديد

نص المقابلة الصحفية والـ… مع الرفيق الأممي وصديق الشعب الكردي أبو إلياس ..

في البداية.. نحن مراسلي مجلة ....و....نود أن نعرفك علينا ونتعرف عليك .حاملين معنا إليكم تحيات قراء وشاهدي إعلامنا إليكم.

إن ما نعرفه عن الصديق أبو إلياس..أبو إلياس البيان..أبو إلياس خطاب نوروز عام 1990 ..لقد انتشر اسم أبو إلياس كصديق لشعبنا الكردي المظلوم والمكافح من أجل حريته ومن أجل الإنسانية. ترك أبو إلياس انطباعاً قوياً في نفوس شعبنا .. وشعبنا الكردي يعتز كثيراً بهذه الصداقة ، ويود أن يعرف الكثير عن الصديق أبو إلياس ويتمنى أن تزداد صداقته مع الأيام على درب الحرية والحق والعدل والسلام بين الشعوب وهو يقارع قوى الشر والظلم والطغيان.

س- من هو أبو إلياس ؟ ولماذا اختار صداقة الشعب الكردي ؟ ولماذا تبنى قضيته؟

جـ - وها أنا أمام سؤال كبير.. لماذا صداقة الشعب الكردي؟ ولماذا تبنيتُ قضيته ؟ قضية كانت صغيرة ، وأصبحت كبيرة وبصورة أوضح بعد كل الجهود التي بذلت ...إقليمياً ودولياً لتكون قضية صغيرة ومنسية ، ولكنها أصبحت كبيرة  كبر جبل كردستان . كبر جبل جودي، ذلك الجبل الذي  رست عليه سفينة نوح ومنه بزغت شمس البشرية. إن تذكير العالم بطوفان نوح وسفينته.. ومهبطها جبل جودي القائم فوق أديم كردستان وطن الشعب الكردي في هذه الأيام وما آل إليه وضع البشرية نافع وقد تنفع المؤمنين الذكرى .

فإذا كان ما ذكر عن طوفان نوح والسفينة وجبل جودي وقد تحول إلى لغز محير ترى ..؟ من يفك هذا اللغز؟.

- لقد بذلت جهود كبيرة.. سياسياً ودبلوماسياً وعسكرياً لمحو آثار ذلك المهبط من ذاكرة البشرية ، ولكنها لم تفلح . ومازال ذلك   المهبط ينادي البشرية فاتحاً قلبه وذراعيه لتخليصها من الهلاك والدمار.

إن من واجب أنصار الإنسانية أن يوصلوا ذلك النداء للعالم أجمع ولكن…! هل سيقومون بذلك الواجب على أكمل وجه ؟…

وأنا أبو إلياس .. قررت منذ مدة أن أكون مع محبي الإنسانية.. قررت أن أضم صوتي إليهم لإيصال ذلك النداء الصادر من قمة جودي .. مهبط سفينة نوح مهبط خلاص البشرية من الطوفان . ولكن… من هو أبو إلياس.. أنا إنسان عربي  أعتز بعروبتي يهمني علوها وسموها… أمنها وسلامتها .. يشغلني مستقبلها وسعادة أبناءها أحب البهجة والسعادة على  وجوه أطفال أمتي. وكما أني أعتز بعروبتي ويهمني سموها وعلوها .. وسعادة أبنائها وأحب لهم السعادة والبهجة.. أتمنى لكل أبناء الشعوب الأخرى تلك التمنيات والمشاعر الإنسانية النبيلة .. إنني إنسان أنتسب إلى العائلة الإنسانية … الحياة مسرحٌ كبير .. والإنسان العظيم هو ذلك الإنسان الذي يأخذ دوراً ما في ذلك المسرح الكبير .. وأنا قررت واخترت لي دوراً في هذا المسرح الكبير ..

تولدت معي أحاسيس ومشاعر غير عادية دفعتني لأن أتخذ موقفاً ما في هذه العائلة الإنسانية. لم أذهب بعيداً.. نظرت حولي.. شمالاً وجنوباً .. شرقا وغرباً . قرأت مما تيسر لي من ثقافات وتاريخ شعوب وحضارات .. وقررت أن أكون مع الإنسان المظلوم ضد الظالمين .. ومع مرور الأيام أصبحت لدي كل المقومات لأداء هذه الرسالة . لم أرى أعظم من رسالة أحملها في رأسي .. أن أكون مع الإنسان المظلوم المضطهد ضد ظالميه . لقد اطلعت على أوضاع الإنسان فوق هذه الأرض أبحث عن بقعة جغرافية سحقت فيها كرامة الإنسان .. لم أجد سوى تلك البقعة الجغرافية المسماة بكردستان ولم أجد شعباً أذلت كرامته كالشعب الكردي.

إن اتخاذ الإنسان للقرار والإلتزام بدور ما والانضمام لعائلة محبي الإنسانية والنضال من أجل الوصول للحياة اللائقة ليس أمراً سهلاً . إن عملية اتخاذ القرار والإلتزام به والنضال من أجله والوصول إلى تحقيق الهدف ليس عملية سهلة .

هناك طريقتين أمام الإنسان:

أولاً- مخاطبة العاطفة والقلب والتمني.

ثانياً - مخاطبة العقل – العلم ، وهذا يتطلب السير في طريق صعبٍ وشائك جداً.

طريق البحث عن الحقيقة المتجددة والتي تغير شكلها طبقاً لقانون المرحلة  التاريخية المعاشة حسب الزمان والمكان .

وما الحقيقة سوى مصباح ينير الدرب ، يجعلك تسير عليه وأنت مطمئن بأنك تسير في الطريق الصحيح للوصول إلى الهدف. وهنا  تكمن المشكلة الكبرى... ومادامت الحقيقة مصباح نور ينير الدرب ليوصلك إلى الهدف ولكن أين هي ؟.. ومن يملكها ؟ وكيف يمكن الوصول إليها ؟ أسئلة كثيرة طرحتها على نفسي محاولاً الإجابة عليها . لقد أصبحت لدي قناعة بأن الوصول إلى الحقيقة أصعب ألف مرة من خوض حرب تشترك فيها كافة الأسلحة المدمرة .

ومادامت الحقيقة هكذا قررت البحث عنها... ومن أجل هذا البحث والسير في هذا الطريق الصعب والطويل أرى  لزاماً عليّ  في البداية أن أرحب بكم  أجمل ترحيب. إن ترحابي بكم يختلف تماماً عن كل ممن رحبوا...

أما لماذا يختلف ؟ فهذا ما ستسمعونه لاحقاً . ولا يد أنكم متشوقون لمعرفة الخلاف وأنا أقول معكم الحق ، لأن هذا هو حال الإنسان ، دائماً يبحث عن الحقيقة ويحاول إكتشاف المجهول . إنني أرحب بكم لأنني لا أكون.. ولا أكتمل إلا بكم.. هذا اقتنعت من الحقيقة ، لقد كنت دائماً أشعر بأنني منشطر إلى نصفين ، أسير مع أفكاري التي ولدت معي بنصف شطر . والإنسان الذي يعيش بنصف شطر إنسان مريض معتل الصحة يعيش حياة غير طبيعية . لقد شعرت بهذا . شعرت بأني أعيش حياة غير عادية ولكنني لم أستسلم للمرض والحياة الغير طبيعية التي أعيشها ، قاومت وسرت زحفاً بحثاً عن الشطر الثاني والمكمل لحياتي، يدفعني لذلك حبي للحياة ، لهذه الدنيا الرائعة والعجيبة . لقد كنت مقتنعاً بأني سأجد نصفي الثاني لتكتمل عافيتي . لم يكن الأمر سهلاً ولم تجري الأمور كما كنت أتمناها لقد رأيت الكثير خلال رحلتي ، عانيت الكثير من الآلام والمهم أنني لم أستسلم لليأس. وها أنا أشعر بأنني أمام الشطر الثاني من حياتي ، أمام نظارتي التي سأنظر بها للحياة وأراها أكثر وبشكل أفضل . ولكي تدركوا مدى فرحتي، دعوني أضرب لكم هذا المثل: إنسان وُلد ولا يرى هذه الدنيا الجميلة الرائعة بكل جبالها وسهولها ووديانها ومياهها وطيورها ، بحارها وسمائها ، ثعابينها ووحوشها . هو محروم من رؤيتها . إنه يملك عينين ولكن لا يرى بهما ، وعاش فترة طويلة من حياته يسمع ويحس ويدرك بأنها جميلة  ولكنه لا يراها.

ويستيقظ صباح أحد الأيام ليرى بعينيه ما كان يسمع ويحس ويدرك .

وأنا أترك وصف العواطف والمشاعر التي تولد مع هذا الإنسان  لكم يا رجال الإعلام ... رجال الإعلام ...رجال عظام سلاحهم القلم واللسان ، زادهم الورق والكتاب ...

يبحثون عن الحقيقة المخفية ليخرجوها من الظلام إلى النور أينما كانت .

إنهم ضمير كل أمة وشعب . هم فخر الشعوب . والأمة العظيمة هي التي تعرف كيف تتعامل مع رجال إعلامها . فبدونهم تتحول       أي أمة إلى أمة خرساء وعمياء لا تعرف إلى أين تسير.. هي في ظلام دامس يهاجمها الأعداء من كل الجهات ، يفوتها فطار الزمن دائماً  ، تتعرض لكثير من الأمراض ولا تعرف لها الدواء . هي لا تعرف شيئاً عن جذورها ولا عن أصلها وفصلها وتاريخها ، عندها تشك بنفسها ويستبد بها اليأس وما اليأس إلا الموت .

في مثل هذه الحالة تعيش مع الفراغ يتقرب منها كل من يريد استعبادها ويقدم لها وصفات تسلبها الوعي والإرادة وبالتالي إلى آلة    من معدن تديرها فتتحرك ولكن إلى أين ؟ ولماذا ؟ لا تدري ...

في مثل هذه الحالة تتحول هذه الأمة إلى ألعوبة .. إلى إنسان آلي ، لا تتجاوب مع حقائقها الداخلية التي توالدت معها عبر صنعها لتاريخها ، إنها تتجاوب مع حقائق أمة أخرى ولتاريخها . عندها تقع المصيبة لهذه الأمة بأكملها . إن كثير من الأمم انمحت من التاريخ  لأن رجال إعلامها لم يقوموا بواجبهم اتجاه تاريخها  .

فكلما كان تاريخ أمة ما واضحاً بحلوه ومره ، بكافة تناقضاته وكل ما نقلته إلى أجيالها اللاحقة كانت مجابهتها للمصاعب أقوى وأشد . عندما لا تعرف أمة عن تاريخها وحقائقها المتولدة معها شيئاً فإنها تعيش في فراغ ولا بد من ملئ الفراغ . الفراغ   الإيديولوجي- السياسي – الحضاري - عندها تأتي أمة أخرى لتملأ هذا الفراغ ومع الزمن تتحول هذه الأمة بكاملها إلى تابع .. إلى إنسان آلي يؤمر فيطيع . هذه الأمة توجه إلى خدمة أمة أخرى ولو كانت بعملها فناء نفسها هي بالذات - ليس هناك أمة غبية وأخرى ذكية .. أمة مبدعة وأخرى كسولة جامدة . هكذا صنفهم لنا بعض الفلاسفة . وخرجوا بنظريات شوفينية  ورجعية مما دفع بعض  الساسة من تلك الأمم لتبني نظرياتهم الوحشية فجروا بذلك على البشرية مصائب وويلات معروفة لكل من له اطلاع على التاريخ البعيد والقريب كل أمة مبدعة .. والأمة مكونة من بشر لا يختلف بيولوجياً عن إنسان أمة أخرى له عينين وأذنين  ورأس واحد ويدين ورجلين وقلب ودم. وبصورة أوضح ليس الإنسان الأوربي أو الأمريكي أو الياباني أذكى من الإنسان الإفريقي أو الآسيوي كما يراد أن يفهموننا بغية خداعنا...لا ليس هذا الأمر هكذا.. لم يثبت العلم ذلك الفرق . إن كل أمة تخلق حقائقها من خلال آلية تاريخها.. بواسطة أبنائها : السياسي - العسكري - الفيلسوف - الكاتب - الشاعر - رجال الدين- العامل - المزارع -الصانع - الفنان ... إنها لوحة معقدة التراكيب مجزأة ومبعثرة لكنها جسد واحد... واحدة ومنفصلة تعمل على قاعدة نظرية وحدة وصراع الأضداد... وما تطورها إلا على أساس ذلك الصراع الأبدي في وحدة وصراع الأضداد... معركة ديالكيتكية . إن تاريخ أمة ما هو نتيجة هذه الآلية. الديالكتيكية. وإن تطور أمة ما يتوقف على كيفية فهم هذه العملية والتعامل معها بشكل صائب وفق المرحلة التاريخية المعاشة.

تتم هذه العملية الديالكتيكية عبر التاريخ ومع كل الأمم وفق مراكز أربعة.

1- القلب 2- الدماغ 3- الشرايين 4- الجسد ، القلب يمد هذه العملية بالقوة - مضخة تضخ الحياة للجسد- الدماغ يلعب دور المصباح ... النور والتوجيه.

الشرايين تلعب دور وسائل المواصلات  في نقل مواد الحياة والنور والتوجيه من القلب ومن الدماغ إلى الجسد... الجسد هو المعمل الذي تصنع فيه الحياة- التاريخ . لكل مركز من هذه المراكز دوره الحيوي . إنهم في وحدة وانفصال... لا يستطيع أحد أن    يقوم بالدور الآخر ولا يستطيع العيش بدونه . إن إعطاء وظيفة القلب للشرايين أو إعطاء وظيفة الدماغ للجسد يعني الفناء. والأمة التي تبقي  التطور والتقدم هي الأمة التي تدرك وظيفة كل منها. الأرض: هي قلب كل أمة أو شعب أو جماعة.

المفكرون - والفلاسفة - الأدباء - الشعراء - الكتاب - الفنانون هم دماغ كل أمة. رجال الإعلام: هم شرايين كل أمة . الشعب   بكافة طبقاته وتناقضاته هم جسد الأمة وهنا تبرز لنا أعقد مشكلة  وهي التعامل مع هذه الثوابت الأربعة.

القلب - الدماغ - الشرايين - الجسد ـ ولا بد لنا أن نسأل: هل هذه الثوابت ثابتة بالنسبة للإنسان ؟ عبر كل زمان ومكان ؟. فإذا كانت غير ثابتة ، كيف يمكن فهمها والتعامل معها ؟.... وإذا كان كل ما بني عبر مراحل التاريخ على أنها ثابتة فإنه لم  يعد يتطابق مع الواقع المتجدد والمتغير أبداً . وإذا ثبت لنا - وهو غير ثابت وواضح . أن كل شيء تغير والعصر تبدل وكل ما حولنا   وأمامنا في تبدل مستمر وما في عقولنا ثابت. عقولنا تشدنا إلى الوراء والزمن المتغير والمتبدل يجري أمامنا وحولنا ما العمل؟؟.. وباعتقادي لا يمكننا الإجابة على سؤال... ما العمل ؟ بدون الإجابة على التالي كيف نفكر ؟ وكيف نفهم الواقع ؟ ومن أين نبدأ ؟.

وبالتالي كشف الحقيقة  لتكون لنا النور نسير به نحو حياة إنسانية أفضل وفق منطق العصر ، ومادامت الحقيقية هي النور فلنتابع  طريقنا للبحث عن الحقيقة . وهنا لا بدلنا من السؤال ؟! هل يمكن أن يكون هناك تاريخ بدون إنسان ؟.

وهل يمكن أن يكون هناك إنسان بدون تاريخ ؟. ولكي نفهم التاريخ لا بد من أن نفهم الإنسان . ولكي نفهم الإنسان لا بد أن نفهم ما صنعه من تاريخ . ولنبدأ من الإنسان الفرد إلى الجماعة عندما انفصل الإنسان عن عالم الحيوان... هذا الكائن الذي هو قمة التطور البيولوجي للكائنات الحية والذي اتخذ إسم الإنسان يعيش عبر تاريخه الذي صنعه الأربعة: 1- المأكل -2- الملبس -3- المسكن -4- الحرية . هذا الرباعي هو قانون إدامة حياته ..من أجل هذا دخل في صراع طويل عبر تاريخه مع الطبيعة .استعمل شتى الأدوات بغية تأمين مأكله وملبسه ومسكنه . بدأ بالحجر والعصي ثم اكتشف الحديد والنار وكثيراً من المعادن التي ساعدته في صراعه مع الطبيعة . لكن هذا الإنسان لم يكن باستطاعته أن يجابه الطبيعة بمفرده . فكان لابد له من أن ينضم إلى الآخرين من نفس جنسه ليعملوا معاً . ومن خلال سعيه وصراعه مع الطبيعة . ومن أجل تأمين حياته ومتطلباته الأربعة بواسطة أدوات العمل خلق جانباً أخر من حياته وهو الجانب الاجتماعي .وهذا الجانب الاجتماعي خلق معه اللغة . العادات . التقاليد . الآراء . والنظريات المتعددة .وبذلك يكون هناك لكل إنسان جانب فردي وجانب اجتماعي ... ولكل جانب خاصيته حسب الزمان والمكان.
فلا الجانب الفردي يستطيع أن يعيش بدون الجانب الاجتماعي . ولا الجانب الاجتماعي يستطيع أن يعيش بدون الجانب الفردي . وبالتالي لكل جانب حقه . هذين الجانبين من حياة الإنسان لا يستطيعا العيش بدون جانب الآخر وهو الإنتاج والإنتاج لا يحصل بدون أدوات ولا الأدوات تعمل بدون إنسان وبذلك تتشكل آلية معقدة واحدة متحدة تتفاعل مع بعضها البعض . ومجموع هذه الآلية سميت بالقوة المنتجة...

الإنسان و الأدوات: لا الإنسان يستطيع أن ينتج بدون أدوات - ولا الأدوات تستطيع أن تعمل بدون إنسان . والذي يدفع بالإنسان والأدوات أن يعملا معاً هو الرباعي - المأكل - الملبس - المسكن - والحرية . إن كلمة الإنسان تعني المأكل والملبس والمسكن والحرية . إذا لم تعني كلمة الإنسان هذه الأربعة فلنسأل أنفسنا : هل يمكن أن يكون هناك إنسان بدون مأكل ؟ هل يمكن أن يكون هناك إنسان بدون ملبس ؟ هل يمكن أن يكون هناك إنسان بدون مسكن ؟ هل يمكن أن يكون هناك إنسان بدون حرية ؟ وبرأيي لا يمكن التكلم عن أية أهداف استراتيجية أو رسمها وبالتالي ممارسة أعمال تكتيكية بدون فهم الإنسان من خلال فهم هذه الثوابت الأربعة في حياة الإنسان ودراستها عبر مختلف مراحل التاريخ وفق قانون المرحلة التاريخية وفق أسس نظريات علمية وإلا ستكون دراستنا مبنية على مخاطبة العاطفة وبالتالي السير في طريق مظلم وستكون نهايته حتماً مأسوية لكل من يسلكه . إن الوصول إلى شكل الحقيقة التي سادت وفق قانون المرحلة التاريخية المعاشة والسير على هديها بعد وضع نظريات وآراء وأفكار  وفق تلك الحالة المعاشة والملموسة. وبعد اقتناع الناس بها تتحول إلى قوة مادية هائلة تجرف كل القديم وتبني الجديد. إن هذه العملية تشبه حركة دولاب كبير هائل . يحتاج إلى قوة دافعة لتحريكها . تكون حركتها في البداية بطيئة ثم تزداد مع الزمن وتزداد سرعتها  بقدر ما يقدم لها من الطاقة . ولكن ..ما مصدر تلك الطاقة الدافعة ؟. من يقدمها ؟. ما هي نتائجها . ما هي تفاعلاتها ؟. هل تأتي هذه الطاقة من السماء أم تنبع من الأرض ؟. أم تصنع في المعمل ؟.

هل تأتي من باب التمنيات والعواطف والمواعظ ؟. أم هي طاقة تأتي من تفاعلات قوة وتعمل بموجب قوانين علمية ؟ هل هذه القوانين ثابتة في كل زمان ومكان ؟.

هل يمكن أن تأتي هذه القوة الدافعة خارج نطاق التاريخ ؟ أم هي ناتجة عن فعل التناقص للوصول إلى الحقيقة مع هذا الكم من الأسئلة وغيرها يجب علينا فهم قانون المرحلة التاريخية بصورة صائبة وعميقة . ولكن ماذا يعني قانون المرحلة التاريخية ؟ قانون المرحلة التاريخية هو أن يغير الإنسان لباسه وفق الفصول الأربعة : الصيف - الخريف - الشتاء - الربيع - لا بد من إعطاء  فكرة موجزة ومختصرة ومكثفة دون الدخول في التفاصيل والجزئيات . ربما أمكن ذلك في أبحاث أخرى ... ولنفهم الإنسان أولاً: الإنسان..هذا الكائن الحي هو زينة هذه الدنيا .. هذا الكوكب الرائع بجباله ووديانه وسهوله وأنهاره وأزهاره وحقوله وبساتينه . فلو حذفنا الإنسان من كل ذلك أعتقد أنه لم يبق هناك أي معنى أو جمال لكل هذا ... فمنذ أن وجد الإنسان وهو في صراع دائم    مع هذه  الطبيعة بغية تأمين متطلبات حياته من المأكل - والملبس - والمسكن - والحرية - لو أمعنا النظر في سلوك الإنسان لوجدنا فيه جملة من التناقضات . ففيه من الصفات ما يجعله ملاكماً . وفيه من الصفات ما يجعله أدنى من درجة الحيوان . لو نظرنا إلى أعمال الإنسان الرائعة: أبنية شاهقة بشكل هندسي رائع . وفيلات جميلة تحيط بها الجنائن والورود ، ثم ما يقدم لنا كل بوم من مخترعات تبهر العين والعقل.. الأجهزة الالكترونية والطبية.. وسائل المواصلات وطائرات وقاطرات وسيارات وبواخر عملاقة .مد طرقة المواصلات وإقامة الجسور فوق الوديان والأنهار أينما التفتنا ونظرنا ما بين أيدينا نراه من صنع هذا الإنسان . يقدم الراحة والأمان والمتعة والرفاهية ويكاد لا يمر يوم إلا ويقدم شيئاً جديداً في كل المجالات العمرانية والزراعية والطبية والفنية والصناعية...لقد غاص في أعماق البحار وصعد إلى السماء ليغزو الفضاء فوضع قدمه فوق أول كوكب هو القمر .. إنها الخطوة الأولى إلى الكوكب الأخرى .

ولكن هذا الإنسان الذي قدم لنا كل هذا الإبداع والاختراع يعيش اليوم على حافة الهاوية . وبشكل أصبح معه كل مستقبل البشرية والإنسانية في خطر . إن طوفان نوح بات قريباً فإلى جانب الإبداع العمراني الرائع والزراعي والتكنيكي والطبي والفني والصناعي والثقافي نرى أسلحة الدمار الشامل ‍! الذري .. الهيدروجيني . الكيميائي . والبيولوجي ومن فوهات مداخن المعامل  الكيماوية تنطلق الغازات السامة التي تسبب ضرراً كبيراً لطبقة الأوزون التي تحمي هذا الإنسان بالذات . ترى ...ماذا سيحل بالبشرية وبهذا الكوكب الرائع الذي نعيش عليه نحن وأطفالنا وأحباؤنا ؟ فيما إذا استخدم الإنسان هذه الأسلحة المدمرة في حرب كونيه .ماذا سيكون مصير الأرض والإنسان والحيوان والنبات والمياه والهواء؟. إننا نشاهد اليوم ونسمع عن الحروب المشتعلة ! حروب أهلية حروب قومية وغداً حروب عالمية. هل ثمة معنى لهذا التقدم والتطور والابداع ؟. إلى متى سيدوم هذا الوضع؟. استغلال الإنسان للإنسان . واستغلال أمة لأمة أخرى . إلى متى يستمر الإنسان بتخريـب السماء فوق رؤوسنا وهدم الأرض من تحتنا ؟. ويلوث البحار من حولنا ومصير الإنسانية ألعوبة بين أيدي أعدائها .

كيف الخلاص ؟ ومن الذي سيقوم بتخليص البشري من هذا الهلاك ؟ إننا نتألم ولكننا لا نستطيع أن نعبر عن آلامنا . لنتابع طريقنا   للبحث عن الحقيقة التي تدلنا إلى طريق الخلاص. عندما تتعقد الحياة الإجتماعية والإقتصادية والسياسية في مجتمع ما يختل التوازن بشكل  كبير . فتنطلق كافة الصفات الشريرة في الإنسان . الحسد .الغيرة. الكذب. الأنانية. الخداع . التضليل. ومن ثم الإجرام. القتل. السرقة. التحايل.... وعندها تسود هذا المجتمع شريعة الغاب. القوي يأكل الضعيف . تنعدم فيه أسمى العواطف الإنسانية وهي: الحب.وتتفكك فيها أواصر المحبة والوحدة والتضامن والمساعدة. في تلك الأجواء تسحق كرامة الإنسان وتنقلب كافة العلاقات الإنسانية  إلى علاقات جافة مصلحيه. كل واحد يقترب من الآخر لا على أساس علاقة إنسانية بل على أساس  كم سيستفيد؟. في هذه الحالة يصاب المجتمع بالنفاق . يريك وجهاً ويخفي عنك وجهاً آخر عندها يبدأ صراع عنيف بين تناقضين:

تناقض الأول يستفيد طبقياً وتناقض الثاني محروم طبقياً من هذا الوضع . التناقض الأول بيده كافة وسائل الإنتاج والسلطة ووسائل القهر . والتناقض الثاني محروم من كل هذا ، فيتحول إلى قوة عليها القيام بكافة الواجبات والإنتاج الضروري لإدامة حياة ذلك المجتمع . التناقض الأول يتمتع بالثوابت الأربعة . المأكل الجيد . الملبس الجيد . المسكن الجيد . الحرية .

التناقض الثاني محروم من هذه الثوابت الأربعة.كلما زاد الفرق بين التناقضين كلما سارت الحياة الإنسانية نحو الهاوية. والنتيجة    الحتمية هي الحرب الأهلية. ماذا تعني الحرب الأهلية ؟. إنها حرب فظيعة… يعني أن تقتل أبناء وطنك .. تقتل جارك… تقتل   أخاك. يغني أن تدمر كل ما بني من منشآت وعمران وتحرق المزروعات وتقتل حتى المواشي . يعني السلب والنهب. يعني انتهاك الأعراض وقتل الأطفال والشيوخ . هدم البيوت فوق رؤوس ساكنيها .هجرة ملايين الناس من ديارهم . فتح جرح في جسد المجتمع سواء كان بشكل  عشيرة . أو شعب أو حتى أمة . ترى هل يمكن لأحد أن يداوي هذا الجرح ؟ وهل يمكن أن يتكلم أحد عن التطور والتقدم والحياة الإنسانية بعد كل هذا ؟. سؤال نطرحه لأولئك الذين عاشوا حياة التناقض الأول عبر مراحل التاريخ والذين يحاولون اللحاق بحياة التناقض الأول . لينظروا ماذا جرى ؟ وماذا يجري الآن ؟ وماذا سيجري في المستقبل للبشرية ؟

فبالرغم من التطور الهائل في التكنولوجيا والعلم فإن الإنسانية تعيش أتعس أيامها وبات طوفان نوح على الأبواب . ولكن لا بد من السؤال: كيف جرى ذلك ؟ وما الحل ؟ وما هو طريق الخلاص ؟.

وما السبب في كل هذا ؟. دعنا نتابع طريق البحث عن الحقيقة . يسود العالم اليوم..كل العالم ثلاث أيديولوجيات: دينية -  ديمقراطية - اشتراكية .لقد بدأ الإنسان السير في طريقه  نحو الحياة الأفضل لتأمين ثوابته الأربعة منذ أن انفصل عن عالم الحيوان وبدأ صراعه مع الطبيعة . بدأ سيره بأدوات إنتاج بسيطة وإلى الأعقد في ظل ايديولوجيات ثلاث: الدينية . والديمقراطية.  والاشتراكية . عبر مراحل تاريخية متعددة. لكل مرحلة قانون خاص بها. عندما بدأ صراعه مع الطبيعة طور أدوات إنتاجه مما     ساعده على زيادة إنتاجه استأثر قسم من الناس بهذه الزيادة من الإنتاج . وحرم القسم الآخر منه . ومع مرور الزمن زادت الأولى ثراءً والثانية فقراً. وبذلك خلق تناقضين متضادين ورافق ذلك مظالم رهيبة . وهنا ظهرت مشكلة الحرية . فكلما رفع التناقض المحروم رأسه ليطالب بحقه في الحياة الكريمة التي تليق بالإنسان جابهه التناقض الآخر بسحق الحرية بصورة أكبر في البداية  يلجأ التناقض  الأول إلى خداع التناقض الثاني ايديولوجياً .

وبين هذين التناقضين الرئيسيين المرتبطين بالإنتاج ظهرت شرائح أخرى في المجتمع  وبدورها فقد انقسمت هذه الشرائح إلى قسمين: شريحة قدمت وما زالت تقدم خدماتها للتناقض الأول. وشريحة قدمت ولا زالت تقدم للتناقض الثاني . ومن أبرز هذه الشرائح : فئة المتعلمين والمثقفين ومنهم رجال الفكر - الفلاسفة - الأدباء - الشعراء - الكتاب . الفنانون - هذه الفئات ليس لها مصدر طبقي معين . يمكن لها أن تبرز من التناقض الأول ويمكن أن تظهر من التناقض الثاني . ويمكن الحكم على تلك الفئتين من خلال طرحهم النظري . والممارسة العميلة. فالفئة الأولى التي تنحاز إلى التناقض الأول أي صاحبة ملكية وسائل الإنتاج والتي تكون دائماً محافظة غير ثورية .هذه الفئة تلعب دوراً خطيراً جداً في خداع عناصر التناقض الثاني بغية جعلها في حالة سكون وركود دائمين . وقد زادت خطورتها بشكل أكثر في العصر الحديث بعد التطور التقني في وسائل الإعلام السمعية والمرئية والمكتوبة ، والشريحة الثانية تقف بجانب التناقض الثاني أي بجانب الطبقة المسحوقة والغير مالكة لوسائل الإنتاج. وعادة تكون جميع المظالم الإجتماعية والإقتصادية والسياسية من نصيبها. ونتيجة هذه المظالم تبرز كافة عناصر  الإجرام واللصوصية .وعناصر القهر التي تقدم خدماتها للتناقض الأول وضد طبقتنها المسحوقة . هذه العناصر سدت منافذ العمل والعيش الكريم أمامها لم يبق لها سوى الاستفادة من الفئات التي يقدمها لها التناقض الأول . هذه العناصر تكون شرسة للغاية ضد أي صوت يصدر ضد سيدها تقوم هذه العناصر بتأديب العناصر المتمردة والتي خرجت من دائرة الخداع الإيديولوجي ، أما الفئة الثانية فهي تلعب دور المصباح الكاشف في إنارة الطريق أمام التغيير والتطور تلعب دورها في الطرح النظري والممارسة العملية . إن كل التاريخ  البشري هو موضع هذا التناقض . وإن الذي قام بصنع هذا التاريخ هو الإنسان . والذي دفع هذا الإنسان لصنع التاريخ هو دوافعه الأربعة : المأكل – الملبس – المسكن - الحرية. وحتى تاريخه لم يستطيع هذا الإنسان أن يؤمن هذه الثوابت الأربعة . لقد جرت محاولات خلال مسيرة التاريخ لإيجاد حل لمشكلة الإنسان مع ثوابته الأربعة . وتنقسم هذه المحاولات إلى مرحلتين :

1- مرحلة ظهور الأيديولوجيات الدينية .

2- مرحلة ظهور الأيديولوجيات العلمية .

مرحلة ظهور الإيديولوجيات الدينية انقسمت أيضاً إلى قسمين : قسم الإيديولوجية الدينية ما قبل التوحيد ومرحلة الإيديولوجية ما بعد التوحيد .لقد ظهرت جميع هذه الأيديولوجيات الدينية من الشرق . الإيديولوجية الدينية اتخذت من عناصر الطبيعة آلهة رمزاً لها . ومن ثم  ظهرت الأيديولوجيات الدينية التي وحدت الآلهة في إله واحد ورفعتها إلى السماء . البوذية – الهندوسية –الزرادشتيه – التوراتية -  المسيحية ثم الإسلامية . لقد حاولت جميع هذه الأيديولوجيات معالجة مشكلة الإنسان ومأساته المادية والمعنوية بطريقتها الخاصة : لقد سادت هذه الأيديولوجيات فترة زمنية طويلة جداً . وبالرغم من هذه الأيديولوجيات مشتركة في التوحيد إلا أنها دخلت حروباً طويلة جرت على البشرية أهوالاً وفظائع وكلها مدونة في التاريخ . وزرعت الحقد و الكراهية بين البشر لا زالت الإنسانية تعاني منها الكثير سواء كان داخل كل أمة أو خارجها . وانتهت سيطرة الإيديولوجية الدينية مع انتصار الثورة الفرنسية في أوروبا .و ظهرت الأفكار العلمية وانتشرت في كافة أصقاع الكرة الأرضية وبذلك انتهت مرحلة مظلمة من حياة البشرية . فكل البشرية مازالت تتذكر مظالم الكنيسة من خلال سيطرتها السياسية بواسطة قوتها الإجتماعية وهي الإقطاعية . وفي الشرق مازال الناس يتذكرون مظالم إمبراطورية بنى عثمان وجهلهم وتعسفهم وما جروا على شعوب الشرق والعالم من مآسي وويلات .كل ذلك باسم الدين وإقامة شريعة الله في الأرض . ففي كل مرة وفي البقعة الجغرافية التي تتعرض فيها كرامة الإنسان للسحق تظهر فيها الشرارة التي تهدي البشرية وتنير لها طريق الخلاص . وتظهر مع هذه الشرارة إيديولوجية واضحة تعبر عن مأساة الإنسان ومعاناته . ثم تبدأ عملية إقناع الناس بتلك الإيديولوجية و سرعان ما تتحول إلى قوة مادية هائلة . ثم تبدأ هذه الجماهير بإطلاق الصرخات والهتاف مطالبة بالتغيير و الخلاص .

إن تلك الصرخات و الهتافات هي صرخات المعذبين و المسحوقين كرامتهم الإنسانية وباتت الوجود والإنساني في خطر . في هذه الحالة من التحرك الجماهيري والمستعد لكل فداء وتضحية في سبيل الخلاص و التغيير و التقدم .

ومع هذه الجماهير تظهر شخصية تاريخية لتكون رمزاً للخلاص وعندها يحدث البركان وتكون شدة هذا الانفجار متناسبة طرداً مع طول المعاناة.ولكي تؤدي هذه العملية إلى النصر إلى الخلاص علينا أن نعود إلى القوة الدافعة لدولاب التغير . من أين تأتي؟. عندما يخيم الظلام على مجتمع تسحق  فيه كرامة الإنسان تتوقف عجلة الحياة الطبيعة عن الدوران . يختل التوازن بين التناقضات بصورة شديدة أينما سرت ومع من التقيت يشكي وينوح ويلعن الزمن الذي حل . ويحن بصورة قوية إلى الماضي إلى حياة البساطة وراحة البال . ولكن عجلة التاريخ لا ترجع إلى الوراء .وكلما تقدم الزمن كلما كثرت شكوى الناس . وبالتالي كلما زادت الهوة بين القديم الذي يرتبط مصالحه الطبقية الوضع المتفسخ وبين الجديد الذي يعاني من آلام شديدة مختلفة سياسية وإقتصادية وإجتماعية ومن العيش الكريم . يحدث هذا نتيجة تمركز الثورة في أيدي قلة من المجتمع و التي تحاول المستحيل للحفاظ على هذا الوضع بشتى السبل بالخداع الإيديولوجي و المؤسسات القهرية .

تظهر في مثل هذا الوضع قوة ضاغطة تجمع الناس في قطبين: قطب محافظ وقطب ثوري . تختلف هذه القوة الضاغطة من مجتمع لآخر طبقا لقانون المرحلة التاريخية . ولدى وضع أهداف استراتيجية لمجتمع ما . إذا لم تدرس تلك القوة ووضعها بعين الاعتبار مع مراعاة ظروفها الموضوعية والذاتية بكل دقة وعدم طرح أهداف مستوردة بصورة أوتوماتيكية لمجتمع آخر لهذا المجتمع.

 فإذا كان مجتمع ما معرض لتناقض خارجي يختلف القوة الضاغطة لها من مجتمع خاضع لتناقضات داخلية أو أي خلط بين التناقضين يعني ذلك ضياع فرصة تاريخية أمام رسالة تلك القوة الضاغطة .وقد تضيع تلك الفرصة وتذهب جميع تلك التضحيات والآلام التي يقدمها ذلك المجتمع . إن المشكلة التي تجابه القوة الضاغطة في كل زمان لمجتمع ما هي مشكلة القيادة. إن خوض نضال لقوة الضاغطة تبغي التغيير والتقدم إلى الأمام بقيادة قوة إجتماعية ومفاهيمها القديمة يعني ذلك عدم وصول تلك القوة الضاغطة إلى النصر. تتعرض القيادة التي تظهر في الحركات الإجتماعية . إن تلك الحالات الخطيرة تظهر في كلتا الحالتين نتيجة ممارسة أسلوب سياسي خطأ. وعدم وضع أسس وعوائق على هدى قانون المرحلة التاريخية المعاشة . وكثيراً ما يصاب أكثرية القيادات السياسية بالغرور نتيجة اندفاع الجماهير الهائلة التي عانت من تلك الأوضاع والتي تبغي التغيير. إن هذه القيادات السياسية تطرح آراء ونظريات وأفكار لا يكمن تطبيقها على الواقع وسرعان ما تصطدم بخط التطور التاريخي السائد بموجب قوانين علمية موضوعية . فتكون نتيجة تلك الآراء والنظريات والأفكار الخاطئة تعرض كل التضحيات الجسام التي تقدمها الجماهير المسحوقة إلى الخطر . في هذه الحالة يشتد الصراع مع القديم والذي بيده كافة وسائل القهر وبإمكانه استخدامها بكل قوة. والقوة الوحيدة التي يملكها التناقض المغاير هو كثرة الجماهير واندفاعها المستمر . ولكن عندما تطرح آراء ونظريات وأفكار معاكسة لخط التطور التاريخي الذي يسود ذلك المجتمع ، فبدلاً من اندفاع الجماهير بصورة أكثر كلما اشتدت المعركة مع القديم تتوقف الجماهير عن السير  ثم يبدأ التراجع . في مثل هذه الحالات يًشاهد ويًسمع من القيادات التي سلكت هذا المسلك الخطير التي أوصلت الجماهير إلى هذه الحالة اليائسة والبعيدة عن النصر تردد هذه القيادات وبكثرة كلمات الخيانة والعمالة وتبدأ بالتصفيات الجسدية. والحقيقة إن خط التطور التاريخي والسائر بموجب قوانين علمية موضوعية لا يمكن إيقافه مطلقاً . لا العملاء ولا الخونة . إن ظهور عميل أو خائن  خلال سير الجماهير مع خط التطور التاريخي لا يمكن أن يشكل شيئاً على الإطلاق . قد يسبب فناء بعض الناس ولكن لا يمكن أن يكون سببا في إيقاف التطور التاريخي مطلقاً . إن الخطأ الذي يحصل هو عدم إدراك تلك القوانين العلمية المترافقة مع خط التطور التاريخي طبقاً لقانون المرحلة التاريخية والتي تتغير معها شكل الحقيقة  التي تنير الدرب أمام الجماهير . وما دام المجتمع سواء كان بشكل قبيلة أو عشيرة أو شعب أو أمة فهو صانع التاريخ بموجب تناقضاته . وهو بالتالي صانع للحقيقة ، ويعني ذلك أن الحقيقة تكمن بين الناس ويجب الرجوع إليه في كل يوم . إن البحث عن الحقيقة من فوق المجتمع وليس فيه وبه يعني الهزيمة الساحقة أمام التقدم والتطور والتاريخ ، فإذا كانت ظروف مجتمع ما الموضوعية  والذاتية يتطلب حل مشكلة وطنية أي عندما يكون ذلك المجتمع خاضعاً بكافة تناقضاته الداخلية لتناقض خارجي، هذا التناقض الخارجي يسبب في وقف حركة التطور والتقدم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي لهذا المجتمع، وإن واجب التحرر من التناقض الخارجي يقع على كافة التناقضات الطبقية لهذا المجتمع . وبذلك يكون التحرر من التناقض الخارجي هو القوة الضاغطة لهذا المجتمع بأكمله . إن أي طرح ايديولوجي معاكس لهذه القوة الضاغطة يسبب انقسام هذا المجتمع على نفسه  وبالتالي جره إلى اصطدامات عنيفة ، وهزيمة هذا المجتمع أمام التناقض الخارجي أمر حتمي . ولكل قاعدة شواذ ، وكل قاعدة نسبية يمكن لبعض المجتمعات أن تطرح فيها آراء ونظريات قد تكون مسبقة أو متخلفة عن خط التطور التاريخي لهذا المجتمع . وتكون هذه الآراء والنظريات والأفكار المستوردة  لمجتمع آخر. وهذا يتوقف على الظروف الخارجية المحيطة بذلك المجتمع . عندها تكون الساحة الوطنية لهذا المجتمع ساحة صراع بين تناقضين خارجين لهذا المجتمع . في هذه  الحالة القديم في هذا المجتمع يرتبط مصيره بتناقض خارجي متوافق مع مصالحه الطبقية . والجديد يربط مصيره بتناقض خارجي وفق مصالحه الطبقية .فكل التناقض الخارجي في تحالف استراتيجي أو تكتيكي حتى النهاية . لأن التناقض الخارجي يشعر بأن حياته في   خطر في حال فشل التناقض الداخلي لهذا المجتمع والمتحالف معه فيقدم كل تناقض خارجي مساعدات بدون حدود للتناقض    المتحالف معه ، والحقيقة التي تظهر في هذه الحالة هو الصراع بين التناقضين الخارجيين وليس الداخليين . إن خط التطور التاريخي يتوقف في داخل هذا المجتمع تماماً سواء انتصر التناقض القديم أو الجديد . إن التناقض القديم والجديد لهذا المجتمع لا يكون دورهما سوى تقديم الوقود لهذه المعركة . ويفتح بذلك جرحاً عميقاً في جسد هذا المجتمع . لا يبقى فرد واحد من هذا المجتمع دون أن يفقد عزيزاً عليه . بالإضافة إلى هجرة ملايين الناس من ديارهم وأوطانهم . ويتحول ذلك الوطن و المجتمع  إلى وطن أشباح وقبور ، لو خطر ببالنا أن نسأل سؤلاً :  كيف جرت تلك المعركة ؟ ولماذا قامت ؟ أليس وفق آراء ونظريات وأفكار طرحت فآمن الناس بها ؟ ومن ثم قاموا وفعلوا . هل كانت تلك الآراء والنظريات والأفكار مطابقة للقوة الضاغطة  التي حلت على هذا المجتمع ؟  فلو أخضعنا النتيجة لقانون التطور فإن عملنا هذا مخالف لقانون التطور . لأن النتيجة تدل على ذلك . آلا يعني ذلك أننا كنا في الأساس مخطئين في آرائنا وأفكارنا إن طرح أي إيديولوجية معاكسة لقانون المرحلة التاريخية التي يعيش في ظلها مجتمع ما و بالتالي معاكساً للقوة الضاغطة يعني عدم جذب الجماهير الهائلة و التي سئمت من تلك الحالة المعاشة ولكن المشكلة التي يعاني منها الطرح الإيديولوجي هو عدم   ثبات القوة الضاغطة أيضاً . وهنا يتطلب تغيير الطرح الإيديولوجي تبعاً لتغيير القوة الضاغطة ، وإلا سيصاب ذلك المجتمع بالجمود العقائدي مما يتسبب في توقف حركة التطور بكاملها في ذلك المجتمع. إن كل مجتمع له قوة ضاغطة يختلف عن الآخر .و هذا ناتج عن تفاعل تناقضاته حسب قانون المرحلة التاريخية . إن طرح نظرية أو ممارسة أي نشاطات عملية وفق نظريات مستوردة و ممارسات عملية جرت في المجتمع آخر يعني إصابة هذا المجتمع بالشلل التام وإيقاف عملية التطور السياسي . الاجتماعي الاقتصادي .. هناك أربعة مخاطر تهدد القوة الضاغطة.

1- طرح آراء ونظريات وأفكار وإجراء ممارسة عملية عليها معاكسة للقوة الضاغطة التي تسود مجتمعاً ما وفق قانون المرحلة التاريخية

2- عندما تخضع القوة الضاغطة لتناقض خارجي من قبل مجتمع آخر ومحاولة فرض قوة مضاعفة .

3- عندما لا تكون قيادة هذه الضاغطة ، قيادة وكادراً من نفس هذا المجتمع .

4- بناء قيادة من القوى الإجتماعية التي تتوافق معها عملية التغيير والتطور. وهذا لا يعني سحق القوى الإجتماعية المحافظة والتي تحاول إيقاف عملية التغيير ، بل يجب قيادتها و الصراع معها على أساس صراع فكري ديالكتيكي . إن استعمال العنف ضدها يعني تثبيتها وبالتالي إيقاف عملية التطور بأكملها داخل هذا المجتمع لأنه لا يمكن التكلم عن التطور بدون تناقض . إن القضاء على البنية الإجتماعية للتناقض يعني أن التناقض الآخر لا يتطور :

إن حذف خط السالب و المكمل للخط الموجب يعني ذلك لا كهرباء لا نور .. لأن السالب و الموجب يعني النور ، الذكر و الأنثى يعني تكاثر الإنسان ، وهكذا الليل و النهار . السماء و الأرض .. الخير والشر .. الرأي و الرأي الآخر يعني الحقيقة : عندما تكتمل العناصر الأربعة للقوة الضاغطة يعني النصر حتى ولو وقفت الدنيا كلها في وجهها . يعتقد الإنسان الذي اتخذ من الدين عقيدة له أنه أصابه مكروه أو ضيق مادي أو معنوي أو سوء معاملة من الآخرين ، أو إذا كره الناس بعضهم البعض ، وانتشرت الصفات غير المستحبة بين الناس كالحسد و الغيرة و النفاق والكذب و الخداع ، إن فرد ذلك إلى ضعف الإيمان وفي قلوب الناس والحل عندهم فريد من التذكير بأمر الله و الرسل و الصحابة ، ومزيد من المواعظ والخطب و ترديد الآيات والأحاديث والنتيجة زيادة في ضعف الإيمان وانصراف الناس عنهم . مزيداً من الحسد والكره وضعف العلاقات الإنسانية . ويعتقد الديمقراطي أن مرد كل ذلك إلى عدم التمسك بقواعد الديمقراطية و السلوك المتمدن في حياتهم و الحل عندهم هو التعامل مع البعض بالمبادئ الديمقراطية والسلوك المتحضر . والنتيجة التي نراها ونعايشها اليوم مزيداً من التعسف وضعف العلاقات الإنسانية وسيادة شريعة الغاب ، واعتقد الاشتراكي ولازال أن كل الشرور التي أصابت الإنسانية هو نتيجة استغلال الإنسان للإنسان و الحل عنده بزوال الاستغلال ، سينقلب الناس إلى ملائكة وتختفي كل المساوئ و الأمراض و العلل التي أصابت الإنسانية نتيجة لسيادة الطبقة المستغلة . والنتيجة التي عايشناها بعد إقامة إمبراطورية طبقة عتيدة شغلت نصف مساحة الكرة الأرضية . صحيح  أن الأرض والمصانع والتجارة ألغيت وأخذت عنوة من أيدي الطبقة المالكة ونقلت إلى الدولة أولى مجموعة من الناس باسم  كوفخوزات أو سو فخوزات . كل بسحق الحرية و التي من ضمن الثوابت الأربعة للإنسان ، وكانت نتيجة ذلك إيقاف حركة التطور للشعوب الخاضعة لهذا النظام . فانهارت . فبالرغم من امتلاك هذا النظام لدى انهياره لخمسة ملايين ونصف جندي تحت السلاح ، وخمس وثلاثون ألف صاروخ نووي  ،  ومع ذلك انهار . لأن هذا النظام أصيب بالجمود العقائدي ولم يدرك ما هي القوة الضاغطة التي حلت بهذا المجتمع  وفق المرحلة التاريخية . عندما تسحق الحرية... تسحقك الحرية إن حريتك تصان ...بصيانة حرية الآخرين...

لا حرية لك ....بدون حرية الآخرين .

لا يمكن أن يكون لرأيك قيمة ... إذا لم يكن هناك رأي آخر مقابل رأيك .

لا يمكن لآرائك ونظراتك قيمة ... إذا لم تكن هناك آراء ونظرات الآخرين.

لا يمكن أن تكشف الحقيقة في آرائك ... إذا لم تكن هناك آراء الآخرين .

ليس المهم أن تكون آراء الآخرين تافهة أو رديئة ولا تكمن فيها الحقيقة ، المهم أن تكون موجودة . إن الاستهتار أو المقاطعة أو عدم الاطلاع عليها أو منعها فهذا يعني إغلاقك الباب على نفسك أما عملية التطور . إن الإنسان العظيم أو المجتمع العظيم ، أو الأمة العظيمة هي التي تصون الرأي والرأي الآخر. هي التي تفتح الباب دائماً وعلى المكشوف على عملية الطرح الديالكتيكي من الفكر في كافة المجلات . إن الأمة العظيمة هي التي تخرج الرأي والرأي الآخر من الظلام إلى النور .

من الأقبية والزنزانات إلى ساحة صراع التجدد والتطور . إن الحقيقة تظهر في المصنع ... أو في ذهن مفكر أو فيلسوف أو سياسي... ولا بدورات تأهيلية ... إن دور المفكر والعالم والفيلسوف والسياسي والكاتب والأديب والشاعر والفنان هو دور    الترمومتر هو دور دق الناقوس بأن قانون ما قد حل وبأن قوة ضاغطة قد ظهرت . ويطرحها كنظرية وآراء وأفكار للجدل الفكري الديالكتيكي بين الناس حيث مصنع التطور والتقدم . عندها إما أن يقتنع الناس بها أو يديرون ظهورهم لهذه الأفكار . وعندما تكون هذه القوة الضاغطة تعبر عن مآسيهم وآلامهم ويرون فيها خلاصهم ، نتحول إلى برامج سياسية وقوة عسكرية    وصدام مع القديم . أما إذا أداروا ظهورهم وهذا يعني أنها ليست هي القوة الضاغطة وفي مثل هذه الحالة فإن طرح أي برامج    سياسية أو تغيير يعني الفشل التام والهزيمة أمام القديم إن القوة الضاغطة تعمل كالسحر .. إن تم كشفها في حيينها ... ولكن هناك خطر كبير لو تم الاعتقاد بأن القوة الضاغطة التي عمل الناس في ظلها وقدموا الغالي والرخيص في سبيل تحقيقها على أنها ثابتة.     فإذا أتخذت على أنها ثابتة وعمل بها في كل زمان ومكان يعني أن عملية التطور والتقدم تتوقف في ذلك المجتمع بأكمله . والسبب في ذلك لأن قوة ضاغطة أخرى قد حلت فيجب كشفها... لقد ظهرت قوات ضاغطة في أمكنة مختلفة في الكرة الأرضية ، وعمل الناس في تلك الأمكنة لهديها وقدمت دفعة قوية للإنسانية ، ولكن مع الأسف تحولت تلك التضحيات الجسام التي قدمتها الناس المسحوقة كرامتهم شوهت وانقلبت ضد الإنسانية بفعل السياسة . فبدلاً من نشر المبادئ التي ناضلوا من أجلها ، هؤلاء الذين عانوا من تلك الأوضاع المأساوية لخلاص الإنسان من تلك الشرور التي خلقها الإنسان بذاته . استغلت بفعل العامل السياسي وانقلبت إلى صراع على السلطة والتمتع بها لفئة من الناس . وسحقت حرية الإنسان ، وهنا ينطبق عليها تلك الأقوال المأثورة والمشهورة والتي تقول ((الثورة يخططها العقلاء وينفذها الشجعان ويستغلها الجبناء)) ولابد من التذكر لبعض من هذه الحالات التي ظهرت فيها وكان لها تأثير كبير على الإنسانية ... لقد ظهرت في الجزيرة العربية قوة ضاغطة وكانت نتيجتها ثورة إسلامية وكان رجلها التاريخي محمد (ص) ولكن لماذا ظهرت تلك القوة الضاغطة التي لعبت دور القوة الدافعة لملايين الناس وتحولت إلى قوة سياسية وعسكرية وجيوش جرارة امتدت شرقاً و غرباً ، وكان هدفها خلاص الإنسان من تلك الحالات المأساوية التي كانت سائدة . إن بعضاً من أساس تلك القوة الضاغطة كانت هي : - 1- وأد البنات -2- الانتقام العقائدي -3- الغزو-4-الخمر ولعب الميسر -5- السادة والعبيد-6- قتل الأنفس -7- عبادة الأصنام -8- التفاوت الطبقي ......

ولنعد بمخيلتنا إلى تلك العصور ولنتصور أن الناس في ذلك المجتمع إنسان ما عندما تولد له بنتاً وبميلاد البنت تحل المصيبة به ويشعر بالذل والهوان ، وجزاء البنت هو وأدها أي دفنها حية . وهذا يعني أن الناس في ذلك المجتمع يقصون على أنفسهم بأنفسهم. ترى لو استمر الوضع هكذا ألا يعني أن فقدان الأنثى من هذا المجتمع هو عدم ولادة الناس . هل الرجال مهيأوون فيزيولوجياً لإنجاب الأولاد ؟ وهل يمكن أن يعيش الرجل بدون امرأة ؟

وهل يمكن أن تدوم الحياة بدون امرأة ؟ .

في تلك المراحل من التاريخ في الجزيرة العربية لم تكن النساء وحدها هي الخاسرة من عملية الوأد للبنات بل الرجال أيضاً كانوا من الخاسرين . لأن تلك الحالة فرضت على الرجال أن يتقربوا من المرأة حتى النظرات كانت ممنوعة . ناهيك عن العواطف المتبادلة بين المرأة والرجل.

إن وجود المرأة في ذلك المجتمع شر كان كل هم الرجال القضاء عليها فهل ثمة معنى لهذه الحياة الإنسانية ؟ فهل كان الرجال يستطيعون كتب عواطفهم اتجاه المرأة ؟ وماذا لو لم يستطيع أحدهم ؟ وقام بالتقرب من المرأة وهنا تقع المصيبة . فإذا كان الرجل من عشيرة والمرأة من عشيرة أخرى ومع التكاتف العشائري كان لابد من وقوع القتال ومن ثم الانتقام . وقد يدوم هذا عشرات السنين . لابد أنها كانت حالة رهيبة بالنسبة للرجل والمرأة . ونتيجة لهذه الحالة المأساوية انصرف الناس إلى شرب الخمر ولعب الميسر محاولين نسيان هموم الزمان ، وتحول قتل الناس إلى هواية أو لعبة مسلية لا من رادع ولا خوف ولا من عاطفة إنسانية ، ومن أين يمكن للناس أن تبقى معهم عواطف إنسانية في ظل تلك العلاقات الإجتماعية السادة والعبيد بينهم جدار سميك . أن من العيب والذل أن يجلس السيد بجانب العبد ناهيك عن العلاقات الأخرى . صرخ الناس .. وعلا صراخهم الخلاص ..  الخلاص ولكن .. ما من مجيب فتوجه الناس إلى عبادة الآلهة . كل جماعة أوجدت لنفسها إلّه . فصنعوا الأصنام والتماثيل وصار يعبدونها ويطلبون منها الخلاص . وتفرق الناس في ذلك المجتمع إلى جماعات . لكل جماعة إلّهاً .والكل ضد الكل لا وحدة إيديولوجية تجمعهم ولا وحدة وطنية . إنهم كثرْ من حيث الناس ولكنهم قلةْ من حيث العدد . كل جماعة تريد القضاء على جماعة أخرى مخالفة لها في عبادة الآلهة وهنا .. ألا يحق لنا أن نسأل: هل يمكن التكلم عن التطور والتقدم في مثل هذا المجتمع ؟ كره الناس هذا الواقع .وكرههم انقسم إلى قسمين: قسم كره التغيير لان مصالحهم الطبقية قد ارتبطت بهذه الحالة . وقسم كره هذا الواقع وارتبطت مصالحهم الطبقية بتغيير هذا الواقع . في كل زمان ومكان تكون حركة التطور والتقدم والخلاص والقوة الضاغطة هي مع القسم الثوري الذي يبقي التغيير وتكون حركة التقدم والتطور في مصلحة القوة الثانية التي تشكل الأكثرية والتي تكون كرامتها الإنسانية مسحوقة .

ولا يمكن أن يحدث التغيير إلا إذا توفرت الشروط التالية:

1- عندما تسود حالة مأساوية تكون فيها كرامة الإنسان معرضة للسحق .

2- وجود إيديولوجية تعبر عن طموحات الناس المسحوقة كرامتهم ويرون فيها خلاصهم . ولا بد من الإقناع بتلك الآراء والنظريات والأفكار . تلعب الإيديولوجية دوراً خطيراً ، ويمكن أن تكون سلاحاً ذو حدين . فإذا كانت معبرة تماماً عن الحالة   الراهنة المعاشة ومتمشية مع القوة الضاغطة فهذا يعني النصر .

ينقسم الطرح الإيديولوجي إلى قسمين :

1-الإيديولوجية التي تأخذ من الدين فلسفة لها ، ولكن إقناع الناس بها أسهل 

2- الإيديولوجية التي تأخذ من العلم فلسفة لها  ويكون إقناع الناس بها أصعب لأن الأمر يتطلب كشف الحقيقة المتغيرة شكلها باستمرار . بينما في الإيديولوجية الدينية تكشف الحقيقة مرة واحدة وهي تصلح لكل زمان ومكان ولكل المجتمعات ويمكن ترديد هذه الحقيقة لآلاف السنين .

3- بروز شخصية تاريخية تتجسد فيها إرادة التغيير . فالحالة التي ولدها التاريخ في الجزيرة العربية والمعاناة التي كان الناس يعيشونها ، كان لا بد من ظهور شخصية تاريخية وإيديولوجية تتجسد فيها إرادة الناس المسحوقة كرامتهم وإرادة التغيير . هناك سؤال يصادفنا و يسأله بعض الناس وهو : لماذا اختار الله الجزيرة العربية والأمة العربية بالذات ونزل فيها الإسلام ؟ ولماذا   اختار محمد (ص) ؟ لماذا لم ينزل القرآن الكريم في مكان آخر وبين شعب آخر ؟. والجواب حسب وجهة نظري هو: لم يكن في ذلك العصر مكان آخر فيه تعرضت كرامة الإنسان للسحق مثل الجزيرة العربية ، ودائماً وأبداً تظهر أعظم القيم الإنسانية وأعظم الإيديولوجيات والثروات والتغييرات في التاريخ في المكان الذي تسحق فيه كرامة الإنسان بصورة أشد.

إن تلك الحالة المأساوية التي عاشها الإنسان العربي في ذلك العصر فرض عليه رسالة خلاص الإنسان والإنسانية والمظلوم والطغيان ، فكان لابد من ظهور الإسلام وشخصيته التاريخية محمد(ص). لقد قدم الإسلام للإنسانية خدمة عظيمة لا يمكن محوها من ذاكرتها . وأزالت من علاقات الناس تلك الحالات الرهيبة والعلاقات الفاسدة التي لا تليق بالإنسان ، فأعطى المرأة حقها وحفظ كرامتها وخلصها من وأدها وخفف من وطأت التفاوت الطبقي من خلال طرحه الزكاة ، وخلق عاطفة المحبة والإحسان مع الناس من خلال الصدقة ، وقضى على الاجتياز الطبقي وقرب الناس في تأدية الصلاة . يقف الغني بجانب الفقير ، هذه الوقفة كانت تعتبر عيباً كبيراً . قضى على الغزو العشائري والإنتقام وقتل الناس بأن حرم قتل المسلم لأخيه المسلم بدون حق . ووحد إيمان الناس بالله الواحد وحطم الأصنام وحرم شرب الخمر ولعب الميسر . كل هذه المبادئ العظيمة . ظهرت في ذلك الوقت من خلال الإيديولوجية الإسلامية . فلو قارنا بين تلك المبادئ والقيم الأخلاقية التي أتى بها الإسلام وما قبله لا بد أن نرى الفرق الكبير.كانت مفاهيم متطورة وجديدة ، فكان لا بد أن يؤمن الناس بها لأنهم رأوا فيها خلاصهم من واقعهم . وحياة إنسانية أفضل . لقد تحول ذلك الإيمان والقناعة ورؤية الخلاص إلى قوة سياسية هائلة وبالتالي إلى قوة عسكرية جبارة يضحي الناس بحياتهم من أجلها بدون حدود . والملاحظ أن وقود تلك الثورات التاريخية دائماً دماء الناس المسحوقين كرامتهم أكثر على أمل أن يعيش الإنسان حياة إنسانية أفضل . ولكن مع الأسف بقيت مشكلة الإنسان بدون حل في كل المراحل التاريخية التي سادت فيها الإيديولوجية الدينية . أما لماذا وكيف ؟ إن من يقرأ مبادئ الدين ويعرف حقيقته وجوهره لا بد أن يقتنع بتلك المبادئ العظيمة والتي تبغي الخير لبني الإنسان … ولكن تلك المبادئ سرعان ما تتحول إلى سلاح يستخدم ضد الإنسان وينقلب رأساً على عقب عندما يدخل العامل السياسي في الموضوع وهذا ما حصل عندما انطلقت الجيوش الإسلامية ومعظمها كانت من أبناء الطبقة المسحوقة بعد أن تحول إلى قوة سياسية وعسكرية لنشر مبادئ الدين وجوهره – وعدالته – وحالما بدأ بالفتوحات الكبيرة شـرقاً وغـرباً . وعندما استولت على خيرات البلدان والشعوب الأخرى وكثر الخلفاء والسلاطين من بعد موت محمد(ص) وامتلأت خزائن أولئك والسلاطين وأمراء المسلمين بالمال وأقيمت القصور وسادت إمـبراطورية  إسلامية من حدود الصين شرقاً إلى الأندلس غرباً ، وانصرف الساسة إلى حياة البذخ والترف والغناء والرقص ومن ثم جرت  الحروب الأهلية وانقسم الإسلام إلى طوائف ومذاهب وكثرة البدع وبدأ فصل آخر في معاناة الإنسان المسحوقة كرامته . ترى هل الذين  بذلوا دمائهم وأرواحهم بلا حدود لكي تكون النتيجة حياة تلك القصور ؟. استمر الحال هكذا وانطفأت شعلة القوة الضاغطة وبالتالي امتنعت عن مدها بالوقود للقوة الضاغطة وبذلك انتهى دور الشعب العربي في حمل الرسالة للإنسانية لأن ما أفسدته السياسة وما تركته من انطباعات في أذهان المسحوقين كرامتهم باسم الدين لا يمكن محوها أبداً . وبقيت مشكلة حرية الإنسان وكرامته بدون حل . بدأت مرحلة أخرى في حياة الناس الذين يأملون الخلاص. ويبغون التغيير. ولكن الإيديولوجية الدينية لم ينته مفعولها بعد. ما زالت قوة الخلاص تكمن فيها . أما لماذا فالجواب :

في الوقت التي كانت فيه الشعوب خاضعة للإسلام أي للدين كانت في الأطراف الأخرى من الكرة الأرضية أفكار دينية أخرى : المسيحية في أوربا - البوذية والهندوسية في شرق آسيا إلى جانب بقايا الديانات التي كانت قبل الديانات التوحيدية في أفريقيا  وفي أمكنة أخرى متفرقة في العالم . وبصورة أوضح فإن القوة المنتجة كانت تخضع لنفس القوانين الدينية ولا يمكن أن تتطور . ولذا لم تظهر إيديولوجية أخرى لتحل محل الإيديولوجية الدينية . لذا نرى أن فترة سيادة الأديان في التاريخ أطول نسبياً لأن  الدين كان عاملاً مهماً في عدم تطوير القوة المنتجة ومع وصول الخلفاء والسلاطين العرب من راشدين وأمويين وعباسيين وكافة فئاته ومذاهبه إلى نهاية المطاف ومع اشتداد الحروب الأهلية وزيادة مأساة الإنسان ولعدم ظهور قوة منتجة جديدة . بقيت الإيديولوجية الدينية أمل خلاص الناس .عندها ظهر العنصر التركي في الشرق الأوسط ولعب دوراً سياسياً بسـبب ضعف العنصر العربي . وأخيراً استطاع العنصر التركي أن يسرق قيادة الإسلام من العرب . وبشروا الناس بالخلاص ونشر مبادئ الإسلام وإقامة شريعة الله في الأرض ، وبعد أن خضعت جميع القوى الإسلامية لقياداتها شكلت إمبراطورية إسلامية كبيرة على أنقاض الإمبراطورية الإسلامية العربية . هذه الإمبراطورية لم تكن سوى معاناة الإنسان العربي الذي سحقت إنسانيته في الجزيرة العربية وكانت النتيجة ثورة إسلامية رداً على ذلك السحق لكرامة الإنسان . هذا الوضع الذي فرضه التاريخ على الإنسان العربي دفعه لكي يؤدي رسالته نحو الإنسانية .لقد أقام الأتراك إمبراطوريتهم باسم الإسلام وعلى ميراث ملايين الناس الذين سحقت كرامتهم وكانت نتيجتها إيديولوجية الإسلام . دامت هذه الإمبراطورية باسم الإسلام ما يقارب خمسمائة عام ذاق خلالها الإنسان الذي كان يأمل في الخلاص الأمرين… الفقر – الجهل – التخلف – القتل – الجوع – الأوبئة… كلما ذهب سلطان عثماني وأتى آخر تأمل الناس حياة أفضل ولكن النتيجة مزيد من الجهل والفقر والتخلف والقتل والإرهاب والاستبداد … طبعاً كل ذلك تحت إسم إقامة حكم الله على  الأرض . إن ما حدث في ظل سلاطين بني عثمان باسم الإسلام بحق الإنسانية كان شيئاً فظيعاً لا يمكن أن تمحوه الأيام من ذاكرة البشرية . إن ما ذبح من بني الإنسان في عهد سلاطين بني عثمان وباسم الدين الإسلامي من الشعوب الإسلامية والغير الإسلامية لا يمكن تصوره . إن معاناة بني الإنسان من الجور والظلم والاضطهاد وضيق العيش يفوق كل التاريخ الإنساني. خمسمائة عام من المعاناة الإنسانية في ظل سيادة آل عثمان . لقد فقد الناس أملهم في الخلاص عن طريق الدين ... وانتهى دور الدين وطعن جوهره في الصميم بفعل العامل السياسي مرة أخرى في عهود بني آل عثمان . وتحولت الإمبراطورية إلى رجل مريض معتل الصحة ، وبقيت مشكلة الإنسان الحر .. الإنسان الذي يأمل أن يعيش بكرامته الإنسانية . وبات في حالة انتظار في ظل معاناة فظيعة .لم تظهر قوة ضاغطة أخرى لتحل محل الدين بسبب عدم تطور القوة المنتجة ، لأن كل قوة ضاغطة لها فلسفتها الخاصة وحسب قانون المرحلة التاريخية . ولا يمكن أن تعمل القوة الضاغطة بدون إيديولوجية وفلسفة خاصة بها  . والإيديولوجية لا يمكن أن تظهر ما لم تظهر قوة منتجة متطورة عما سبقها . وبذلك انتهى دور الدين الذي كان أملاً في الخلاص.ودور يمثل معاناة الإنسان المسحوقة وكرامته الإنسانية . وبالتالي لا يمكن أن تظهر شخصيات تاريخية تمثل تلك المعاناة. بل تحول الدين بكامله إلى أداة للوصول إلى السلطة مستغلين الدين. مازالوا يحلمون بحل مشكلة الإنسان عن طريق تلك المبادئ و القيم والأحكام التي وردت في الدين والتي خدمت الإنسانية لفترة من فترات التاريخ . وبقيت مشكلة الإنسان الحر بدون حل . لقد تطورت قوة منتجة في مكان آخر . وظهرت هذه المرة في أوروبا . وبوجود ظرف ثوري مسحوق فيه كرامة الإنسان . وقعت مسؤولية خلاص الإنسانية على هذه القوة المنتجة .كان لا بد لهذه  القوة المنتجة من طرح إيديولوجيتها . فكانت الديمقراطية. بشعاراتها الثلاثة : الحرية والمساواة والعدالة . مع طرح بنود حقوق الإنسان . فكانت الثورة الفرنسية عام 1789 . بدأ معها فصل آخر في تاريخ معاناة الإنسان والذي كان يحلم بحياة إنسانية أفضل . ولنتابع طريقنا للبحث عن الحقيقة . انفجرت الثورة الفرنسية لتعلن للعالم بداية سيادة العلم بدل سيادة الجهل و الخرافات . وانتهاء عصر الفكر المتيافيزيقي ولتعلن عن بدء عصر الفكر العلمي . وكان أول عمل قامت به فصل الدين عن السياسة . وأعلنت القوة الإجتماعية التي ظهرت نتيجة تطور القوى الإنتاج وهي البرجوازية إيديولوجية بشعاراتها المعروفة وحددت فيها حقوق الفرد والجماعة ومارست نظامها السياسي بواسطة البرلمان المنتخب من قبل الشعب وأعلنت المساواة أمام القانون وسنت دستوراً دنيوياً بدلاً من الدستور السماوي . وبذلك فتحت  أمام الفرد المبدع كافة المجالات وأمنت له حريته ضد أي تعسف فما كان من الفرد إلا أن يبدع . لقد انتقل شعاع تلك الثورة ومبادئها إلى كافة أرجاء المعمورة فرأى الناس فيها خلاصهم وكان لا بد من أن ينصرفوا عن الدين كنظام سياسي بعد طول معاناة رهيبة من الجهل والفقر والقتل والفساد . وأوقفت التطور عشرات القرون . إن الثورة الفرنسية فتحت المجال أمام العلم فتتالت الاختراعات في جميع أنواع العلوم . إن ما أبدعه الغرب واخترعه بعد الثورة الفرنسية يفوق التاريخ الإنساني بأكمله. ومرة أخرى كان وقود تلك الثورة الدماء الذكية للناس المسحوقة كرامتهم الإنسانية والمحرومين من العيش حياة كريمة . انقلبت نتيجة هذه الثورة مرة أخرى بفعل السياسة إلى نقمة على الإنسانية جمعاء فأصاب الشر والبلاء الكرة الأرضة بأكملها ولكن في هذه المرة بشكل آخر بخلاف العهود الدينية وهذا الشكل الآخر هو كما يلي :

عندما أعلنت مبادئ الديمقراطية وفيها أمنت حرية الفرد وحرية الجماعة وسنتها بدساتير وقوانين ومن أهمها : حرية الفرد - حرية الرأي- حرية المعتقد- حرية الكتابة - حرية النشر- حرية التظاهر- حرية التأليف- المشاركة في العمل السياسي ......

ألغيت الألقاب الإجتماعية ذات الامتياز الطبقي وألغي التعيين السياسي لا يجوز إلا عن طريق الانتخابات . إن كل هذه المبادئ والأفكار والنظريات كانت متطورة عما سبقها من العهود الدينية فكانت تعبر عن طموحات وآمال المسحوقين إنسانيتهم .فاقتنعوا بها وتحولوا إلى قوة سياسية وبالتالي إلى قوة عسكرية ، فكان  لا بد من مناطحة القديم وإزالته من طريق التطور ليبدأ مرحلة أخرى أمام الإنسانية ، وفعلاً بدأت ، وفعلاً بدأت. لا حرية بدون إبداع - ولا إبداع بدون حرية الفرد . لقد بدأ الإنسان المبدع بعد تلك الثورة وبعد التخلص من التفكير الميتافيزيقي بالتوجه نحو دراسة حركات المادة الميكانيكية - الكيميائية - الفيزيائية - وبدأت الاختراعات تتوالى . ففي المجال العسكري اختراع الأسلحة الأوتوماتيكية - والطائرات - والدبابات . وفي مجال المواصلات السيارات - القاطرات - البواخر - والأجهزة السلكية واللاسلكية . وبالإضافة إلى الاختراعات في جميع المجالات الأخرى . كان  كل ذلك نتيـجة تخلص الفرد من التفكير الميتافيزيقي . ونتيجة اختراعه لهذه التكنولوجية المتطورة زاد في إنتاجه مما زاد في رأسماله . ونتيجة إقامته لمصانع ضخمة بغية زيادة الإنتاج وكان لابد من وجود عاملين :

-1- تأمين المواد اللازمة للإنتاج - مواد الخام.

-2- إيجاد أسواق لتصريف هذه المنتجات . كان لا بد من البحث عن تلك الأسواق ولما كان الشرق وإفريقيا كامله خاضعا لسيطرة عقلية ميتافيزيقية بقيت مشكلة الإبداع فيها مستحيلة. ومتخلفة في جميع نواحي الحياة . ولما كان هذا الكم الهائل من البشر بحاجة إلى المأكل والملبس والمسكن هذه الضروريات في حياة الإنسان وهذه الحاجات الضرورية بحاجة إلى إنتاج مع تزايد النمو السكاني . إن عملية الإنتاج وزيادتها مستحيلة بدون أدوات الإنتاج المتطورة . وإنتاج أدوات متطورة يحتاج إلى ناس مبدعين يظهرون في قلب كل أمة . وليظهر مبدعون في قلب كل أمة ليخترعوا تلك الأدوات يحتاجون إلى مناخ الحرية . والحرية مفقودة في الشرق وإفريقيا بأكملها . والذي يعيش فيها ثلاثة أرباع البشرية . يعيشون في فراغ قاس . وهنا وقعت المصيبة للإنسانية . كل إنسان . ولا أقصد الإنسان الشرقي فقط بل الإنسان الغربي أيضاً الذي أبدع واخترع كل هذا الكم الهائل من المخترعات وما رافقه من حضارة عظيمة شملت كافة مجالات الحياة . ولكن بالرغم من كل هذه الحضارة أصيبت الإنسانية بضربة مؤلمة في الصميم وبقيت مشكلة الإنسان الحر بدون حل. وهنا بدأ فصلُ آخر في تاريخ الإنسان . أما كيف ؟ ولماذا بدأ وما هو الخلاص ؟ ولنتابع البحث عن الحقيقة . إن الذي يصنع التاريخ هو الإنسان . إن حركة التاريخ دائماً إلى الأمام . إن التطور يعني التقدم إلى الأمام .لا بمكن التكلم عن التقدم والتطور بدون التكلم عن الإنسان المتقدم والمتطور . ولا يمكن التكلم  عن الإنسان المتطور بدون بناء الإنسان المتوافق مع هذا الخط التاريخي المتقدم . وهنا يبرز أمامنا سؤالين :

الأول: كيف يمكن بناء الإنسان المتطور وفق قانون المرحلة التاريخية ؟

الثاني : كيف يمكن بناء الإنسان الحر وفق قانون المرحلة التاريخية ؟

وباعتقادي لا يمكن التكلم عن الإنسان المتطور وبناء الإنسان الحر دون دراسة الإنسان ذاته لأنه هو الذي يصنع التاريخ وهو الذي يبني وهو الذي يهدم . ولنبحث عن الحقيقة التي تنير دربنا . كثيراً ما نسمع من وسائل الإعلام المختلفة الكلمات التالية : العالم المتقدم، العالم المختلف - الشعوب النامية - العالم الثالث - ماذا تعني هذه التسميات ؟.

هل يعني أن هناك إنسانين مختلفين ؟ هل يعني أن الإنسان المنتسب لأمة متقدمة يختلف فيزيولوجياُ عن إنسان أمة متخلفة ؟ وبصورة أوضح . هل يعني أن الإنسان أمة متقدمة له ثلاث آذان أو أربع عيون ؟... هل من أحد يستطيع أن يبرهن لنا عن ذلك الفرق ؟ . وإذا لم يكن ذلك الفرق موجوداً ؟ وأين يكمن ؟ وأنا كشخص .. كإنسان من العالم الثالث المتخلف أرى من واجبي ومن رسالتي التي أحملها أن أحاول الإجابة على تلك الأسئلة التي تقلقنا محاولاً الوصول إلى الحقيقة . ولنحاول . في البداية يجب أن نعترف أنه فعلاً هناك إنسانين وبالتالي عالمين مختلفين : عالم متقدم تكنولوجياً .. وعالم متخلف تكنولوجياً .كل ما نراه ببن أيدينا ونستعمله في حياتنا وما فوقنا وتحتنا هو من صنع العالم الغربي . مع وجود بعض الاستثناءات الثانوية .كل ما نستخدمه في حروبنا وفي مصانعنا وفي مواصلاتنا وفي سمائنا وبحارنا وفي مدارسنا وحقولنا وما نلبسه على أجسادنا  وما نستخدمه في مطابخنا هو من صنع الإنسان الغربي . ومادمنا بحاجة إلى كل هذا في حياتنا والتي هي من صنعهم  ونكون نابعين لهم شئناً أم أبينا إننا نملك من مواد خام هائلة ولكن هذه المواد الخام لا تتحول تلقائياً إلى مواد مصنعة لتخدم الإنسان بدون تقنية تحول  هذه المواد الخام إلى مواد مصنعة للاستهلاك . أمامنا طريقين : إما أن نبقى تابعين لهم مدى الحياة وإن أي محاولة للخلاص منهم يعني الدمار التام . وإما أن نبدع ونصنع تلك التقنية المتطورة لملئ  هذا الفراغ الذي نعيشه بغية تحويل موادنا الخام إلى مواد مصنعة جاهزة للاستهلاك وإلا سنبقى محتاجين . ولكن السؤال الذي لا بد أن نطرحه : كيف يمكن أن نبدأ ؟ هل يهبط علينا الإبداع من السماء ؟ أم ينبع من الأرض ؟ أو يخرج من البحر؟ ومادام الإنسان هو الذي يبدع . أي يخلق الجديد ... هل كل إنسان يستطيع أن يبدع ؟ مثلاً : إذا كنا بحاجة إلى صُنع طائرة ؟ هل يستطيع العامل أو الفلاح أن يصنع لنا طائرة ؟

 لقد أعطانا العلم حقائق عن حركات المادة والتي أصبحت معروفة وهي : الميكانيكية .  الكيميائي - والفيزيائية والبيولوجية.والاجتماعية . ولنسأل: هل يمكن لإنسان ما أن يكون ميكانيكياً وكيميائياً وفيزيائياً وبيولوجياً واجتماعياً في نفس الوقت .فإذا كان الذين يصنعون الجديد هم المبدعون . فكيف يمكن أن نجد هؤلاء ؟ وكيف يمكن أن نتعامل معهم ؟ و ما هو المناخ الضروري لهؤلاء لكي يبدعوا ؟  ولنعد إلى العالمين الغربي والشرقي… كيف يتعامل كل منهم مع الإنسان ؟

ولنبحث عن الحقيقة . لقد تعامل الإنسان مع الإنسان في الغرب والشرق بعقليتين مختلفتين تماماً ، وبالتالي تسيطر اليوم على العالم عقليتان : -1- عقلية غربية -2- عقلية شرقية ، عقلية غربية مبدعة وفي تطور مستمر في الإبداع . عقلية شرقية غير مبدعة ومتخلفة باستمرار .كلما طال الزمن بعدت المساقة بينهما . تناقضان مختلفان ولكنهما في وحدة . لا العقلية الغربية تستطيع أن تستغني عن الشرقية ولا العقلية الشرقية تستطيع أن تستغني عن الغربية . في وحدة وصراع ديالكتيكي.. في وحدتهما وصراعهما يكمن سر التطور والتقدم والتخلف . وأي بحث في سـر التطور والتخلف خارج هذا الصراع الديالكتيكي من وجهة نظري مضيعة للوقت وابتعاد عن الحقيقة .ومن وجهة نظري يكمن السر في السيرة التالية : الإسكافي الفيلسوف: صحافي شرقي من أحد البلدان الشرقية خطر بباله يوماً أن يعرف سر عظمة الشعب البريطاني فحمل حقائبه وقلمه وأوراقه وسافر إلى لندن باحثاً عن الحقيقة في عظمة الشعب البريطاني وصل إلى لندن وحاول البحث عن الحقيقة . رسم في مخيلته أفكاراً وبرامج للبحث عن الحقيقة . ابتعد عن المتعلم والمثقف والمتشبع بالمدنية الحديثة . ربما يكون في آرائه وكلامه تصنعاً . ابتعد عن الأحياء الحديثة والصالونات الراقية كما يسمونها وراح يبحث عن الحقيقة في الأحياء القديمة والتي مازالت تعيش على الطبيعة . وحدثت معه صدفة وفرت عليه عناء البحث. والصدفة كما يتحدث عنها وهو سائر في شارع من شوارع لندن القديمة شعر بأن حذائه يدخل إليه الماء و بأنه بحاجة إلى تصليح .وقع نظره على حانوت مصلح أحذية متقدم في السن له نظرات سميكة . دخل الصحفي الحانوت وبعد السلام  طلب منه أن يصلح له حذائه. أجابه الإسكافي بعد أن نظر إليه بأن يجلس وينتظر لحين الانتهاء من تصليح حذاءٍ آخر بين يديه  استغرق جلوس الصحفي ثلاثة أرباع الساعة ، منتظراً دوره . وخلال هذه المدة كان الإسكافي يتمتم ويردد الكلمات التالية : الله يلعن هذا الزمان . الله يلعن ها الحكومة لقد ارتفع ثمن المسامير وارتفعت أسعار الجلود والخيوط والأقفال ما هذا ؟ إن هذه الحكومة غير جديرة بقيادة المجتمع . إنهم وزراء فاشلون ويجب أن ترحل هذه الحكومة … وبعد الانتهاء من تصليح الحذاء الذي كان بين يديه التفت إلى الصحفي وطلب منه حذائه لكي يصلحه له . وهنا أدرك الإسكافي من ملامح الصحفي ومن شعره المجعد ولون بشرته ولسانه . أنه شرقي فسأل الإسكافي الصحفي : كيف حالكم أنتم في الشرق ؟ عسى أن تكون أحسن حالاً منا نحن في الغرب . أجابه الصحفي: نحن بخير والحمد لله كل شيء على ما يرام . لدينا المسامير والجلود والأقفال والخيوط. ونحن راضين عن حكومتنا وتصفق لها صباحاً ومساءً وننشد الأناشيد الحماسية باسمها ونعلمها لأطفالنا .فنظر إليه الإسكافي بعد أن سمعه جيداً وارتسمت على وجهه  ابتسامة وضحكة ساخرة! فسأله الصحفي : لماذا هذه الابتسامة والضحكة الساخرة ؟ أجاب الإسكافي: لا يا عزيزي أنتم لستم أحسن حالاً منا نحن الغربيون . فقال له الصحفي : كيف تكونون أحسن حالاً منا نحن الشرقيون وخلال وجود عندك وأنت تلعن الزمان وتشرح عن أحوالكم وتشكي وتنوح من غلاء الأسعار وتطلب من الحكومة أن تذهب أليس كل ذلك يدل على أننا أحسن حالاً منكم نحن الشرقيون ؟ فرد عليه الإسكافي : لا ليس معيار الأحسن والأسوأ هو الشكوى من فقدان بعض الحاجات وغلاء الأسعار وطلب تغيير الحكومات . إن معيار الأفضل والأسوأ هو الآتي : ((نحن في الغرب إذا تألمنا نستطيع أن نصرخ . ولكنكم في الشرق إذا تألمتم فلا تستطيعون أن تصرخوا )) وهكذا سرد لنا الصحفي هذه القصة وكتب عنوان: الإسكافي الفيلسوف … وأنا بدوري أريد أن أسأل إذا لم تكن حقيقية تخلفنا عن الغرب فيما قاله الإسكافي الفيلسوف ؟ إذاً أين يكمـن تخلفنا ؟ ولنترك الأمور للصراع الفكري الديالكتيكي الحر . فإذا كان الإنسان يرى الخطأ فلا يستطيع أن يقول هذا خطأ خوفاً من العقاب و الأذى الذي يلحقه والعقاب قد يكون تشهيراً : خائن - عميل . إمبريالي . رجعي. برجوازي . منشق - جاسوس ..

وقد يكون العقاب في حبس حريته في أعماق السجون الرهيبة بعيداً عن أهله وأولاده وأصدقائه . وقد يكون العقاب التصفية  الجسدية . ولنسأل : هل يمكن في مثل هذا الجو والمناخ التكلم عن التطور والتقدم وبالتالي الإبداع ؟ . كيف يمكن لمبدع يصنع الجديد أن يعيش في مثل هذا المناخ . مهما يكن نوع المبدع : سياسي - عسكري - علمي - فني - ثقافي .... ولننطلق من تلك البديهية القائلة : بأن كل التاريخ هو من صنع صراع التناقضات . والتطور هو نتاج الصراع التناقضي ، ولا يمكن أن يوجد تطور إذا لم يكن هناك نقيض . ونقيض له وإن  تكون له هناك حقيقة بدون رأي ورأي آخر .

إن التفاخر بالقضاء على التناقض الآخر ليس سوى عملية القضاء على النفس بالذات .لا قيمة لرأيك .إذا لم يكن هناك رأي آخر .

لا قيمة للخير ما لم يكن هناك شر . لا قيمة للنهار إذا لم يكن هناك ليل - لا قيمة للحار إذا لم يكن هناك بارد . لا يمكن أن ينير المصباح ما لم يكن هناك سالب وموجب . لا يمكن أن يكون هناك ذكر إذا لم توجد الأنثى . إذا قام قسم من مجتمع ما بالقضاء على التناقض الآخر فعلى هذا المجتمع السلام. إذا قام مجتمع ما بسد الطريق أمام القسم الآخر بمنعه من الصراخ عند الألم فيصيب هذا المجتمع التخلف والتأخر .

إن عملية التطور تتوقف إلا إذا عملت آلية التناقض داخل المجتمع في صراع ديالكتيكي حر. إن عملية التطور تشبه ساعة حكم المباراة الرياضي لكرة القدم .؟ إن المباراة الرياضية تحسب على أساس الوقت الفعلي لتحريك الكرة. فحالما تتوقف الكرة عن الدوران يكبس الحكم على زر توقيف الوقت في ساعته . وهكذا فعملية التطور في مجتمع ما تتوقف على فعل التناقضات داخل المجتمع في صراع ديالكتيكي حر . إن أي تدخل غير طبيعي في تعاملها يعني توقف عملية التطور في ذلك المجتمع . ولا بد أن يعود ذلك المجتمع إلى النقطة التي كبست فيها ساعة التطور مهما طال الزمن ولا يمكن أن يحدث التطور إلا بالوقت الفعلي في تحريك دولاب التناقضات وبالصراع الديالكتيكي الحر . ما هي النتائج التي تمخضت عنها العقليتين الشرقية والغربية في عملية التطور .

1. كل إنسان حر فيما يعتقد - حرية المعتقد .

2. كل إنسان حر فيما يقول - حرية الرأي .

3. كل إنسان له حريته الشخصية - حقوق الإنسان .

4. كل إنسان حر أن يختار ويُختار - حرية الاختيار .

5. كل إنسان حر فيما ينشر - حرية النشر.

6. حرية المسكن وتنقله وسفره وعمله...

7. الضمان الصحي- والاجتماعي- التعليمي - وضمان الشيخوخة

وعلى أساس هذه الحريات وهذا المناخ أبدع واخترع الإنسان الغربي في ظل هذه العقلية الغربية وهذا ما نشاهده اليوم من المنجزات الحضارية .هذه هي الإيجابيات في العقلية الغربية.

أما السلبيات في العقلية الغربية: صحيح أن العقلية الغربية قد أمنت الحرية لمواطنيها وفي ظلها أبدعت واخترعت ومازالت ولكن فسد الجانب الإنساني ، ونتيجة هذا الفساد جرت على الإنسانية والطبيعة أهوال وآلام لا تقدر . السبب في فقدان إنسانيتها وضعفها والأضرار الناجمة منها وما زالت . وباتت البشرية والطبيعة كلها في خطر . ليس في ممارستها الحرية وخلق مناخها والتي أدت إلى تلك الإبداعات الكثيرة والتي شملت مختلف نواحي الحياة . إن السبب لفقدان العقلية الغربية جانبها الإنساني ليس العقلية الغربية بل العقلية الشرقية بالذات ، وهذا ما سنبينهُ للوصول إلى الحقيقة . إن إنقاذ الغرب والشرق والطبيعة من طوفان نوح ثاني يكمن في  عقلية الشرق . إن دور حمل تلك الرسالة نحو الإنسانية تكمن في الشرق وليس في الغرب . إن دور الغرب في أداء هذه الرسالة قد انتهى تماماً . بالرغم من تقنيتها وكل تطورها الحضاري .

العقلية الشرقية . إن في تعامل العقلية الشرقية مع الإنسان جرت عليه آلاماً وعذاباً وأهوالاً وأمراضاً وعلل مستعصية . وتسبب في فقدان إنسانيته وفساد إنسانية الغرب أيضاً . أما كيف ذلك ؟. وإليكم وجهة نظري: لنعد إلى الإنسان وثوابته الأربعة :المأكل –الملبس – المسكن – والحرية وقلنا بأن الإنسان لا يستطيع العيش بدونهم . وعندما نقول الإنسان يعني المأكل الجيد – والملبس الجيد – والمسكن الجيد – والحرية الجيدة. ولما كانت الدنيا غير ثابتة . كل شيء يتحرك وفي تغيير مستمر وهذا يعني أن المأكل– الملبس -  المسكن – الحرية. أيضاً غير ثابتة. وإن جهة التطور دائماً نحو الأفضل . إن كل درجة أو كل شيء في الدنيا يبقى في خط سيره حتى  يأتي شيء آخر ليحل محله . ولا يمكن للشيء أن يتحرك من مكانه دون بروز شيء جديد وبمواصفات جديدة طبقاً لقانون المرحلة التاريخية . إذاً هناك حركة إلى الأمام في كل شيء: في الفكر . في الاقتصاد . والاجتماع في السياسة والطبيعة وفي عالم الحيوان وعالم النبات أيضاً. ويجب أن يرافق هذه الحركة إلى الأمام متطلبات الإنسان الحيوية : المأكل والملبس . والمسكن والحرية وفي التاريخ حركة إلى الأمام . لا تاريخ بدون إنسان ولا إنسان بدون تاريخ .

والذي يصنع التاريخ هو الإنسان . إن مأكلنا وملبسنا ومسكننا وحريتنا لا تهبط من السماء ولا تنبع من الأرض ولا تخرج من البحار بل يصنعها الإنسان . ولكن لكل جيل من الناس عبر الخط التاريخي نوعٌ من المأكل والملبس والمسكن والحرية . ومع ما يرافقه من عادات وتقاليد وقيم أخلاقية ، وهذا يعني أن مسؤولية إيجاد الثوابت الأربعة تقع على عاتق كل جيل . إن هذه العملية تنقسم إلى قسمين: قسم نظري وقسم عملي . إن لكل مرحلة تاريخية لباسها . وإن الشكل والطراز للباس الذي سيلبسه الناس يقع على عاتق الخياطين العائشين في ذلك الزمن . ولنضرب مثلاً: هل بإمكاننا أن نلبس لباساً صنع في القرون الوسطى ونحن في نهاية القرن العشرين ؟. إن كل عقلية الشرق مبنية على هذه العملية . دائماً وأبداً يحاول أن يلبس نفسه لباساً رماه التاريخ . إننا في الشرق ننظر إلى واقعنا الذي نعيش فيه ونحن في القرن العشرين بمنظار آبائنا و أجدادنا الذين عاشوا قبل عشرات القرون: السياسي – العسكري – الاقتصادي – الفيلسوف – الكاتب – الشاعر – الأديب – الفنان –الزمن يسير ونحن نسير معه بأجسامنا، وما في عقولنا هو من رواسب الماضي . كل واحد منا ينظر إلى الآخر نظرة متخلفة عن العصر بعشرات القرون . الزمن – العصر – وحركة التاريخ إلى الأمام ونحن نسير إلى الخلف وكلما طال الزمن كلما ابتعدنا عن العصر والزمن والتاريخ. إن كل العقلية الشرقية مبنية على قاعدة الركوب على الحمار بالمقلوب .والراكب على الحمار بالمقلوب لا يرى أمامه ما سيأتي بل دائماً ينظر إلى الخلف الذي فات ، ولا يمكن للعقلية الشرقية وبالتالي الإنساني الشرقي الخروج من المأزق الذي هو فيه إذا لم يغير ركوبه على الحمار بحيث يكون وجهه إلى الأمام . وفي هذه الحالة لا يمكن لنا التكلم عن التقدم والتطور ولا عن المأكل و الملبس والحرية الجيدة وبالتالي التكلم عن بناء الإنسان الحر.

إن العقلية الشرقية تسبب أذى كبير للإنسانية جمعاء . كل واحد منا في الشرق يود حل مشاكله على هدي ما جرى وصار في الماضي . إن الشرقي يحارب حرباً حديثة فيها أسلحة حديثة بعقلية قديمة . إن الشرقي يمارس السياسة بنفس الإيديولوجيات التي كان آباؤنا و أجدادنا قد أوجدوها . إن الشرقي يتعامل مع البعض بنفس السيكولوجية والعادات والتقاليد التي كانت سائدة بين تلك الأجيال التي  عاشت من عشرات القرون . إن الشرقي ينظر إلى اقتصاد والاجتماع والثقافة والفن بنفس النظرات والآراء والأفكار القديمة . ومع ذلك يريد للناس الذين يعيشون في القرن العشرين ويتمنون أن يأكلوا ويلبسوا ويسكنوا ويمارسوا حرية جيدة . الإنسان الشرقي يعيش داخل زنزانات رهيبة حابساً نفسه فيها ولا يريد الخروج منها . يعيش في سجن الجغرافية وفي سجن القومية وفي سجن الدين والتاريخ . لقد طرح التاريخ جغرافية أخرى وقومية أخرى وثقافة أخرى ، وها هي العقلية الغربية تتجاوب معها . ولكن الشرق لازال يسير بعكس سير خط التاريخ ، والسبب ركوبه على الحمار بالمقلوب . ولنوضح أكثر.. ولنعد إلى العقلية الغربية والشرقية . كيف يتعاملون مع التاريخ . أرض الشرق تملك من ثروات و الخيرات يكفي لإسعاد البشرية بأكملها . ومنه يشع النور . الأرض سلاح ذو حدين إذا أحسن استعماله فيه سعادة الإنسان . وإذا أسيء استعماله فيه تعاسة الإنسان . و بالرغم من هذه الخيرات والثروات الهائلة ترانا متخلفين . يعتقد كثير من الناس البسطاء أن هذا التخلف ناتج عن غضب قوة أخرى لأننا عصينا أوامره . ومن ضعف إيمان الناس أومن عدم محبة الناس لبعضهم البعض ....  وإنني أقول : ليس هذا ولا ذاك . السبب هو العقلية الشرقية . حبسه لنفسه داخل سجونه الرهيبة : الجغرافية - القومية - الثقافية - الدينية . عندما يتحرر الإنسان الشرقي من هذه العقلية سيحرر نفسه و الإنسانية جمعاء . تلك هي رسالته نحو الإنسانية.   والذي سينظم هذه الرسالة هو الجدل الديالكتيكي للفكر الحر .

لتنظر إلى الواقع و نحن في عام 1996 ، ماذا يحدث في هذا العالم ؟ .

ولننظر إلى هذه البقعة المسماة بالشرق الأوسط كيف ترى نفسها ؟ مع المقارنة بأوربا الغربية وكيف ترى نفسها ؟ ومن منا  السائر في طريق الصواب ؟. ولننظر إلى التشكيل القومي في الشرق الأوسط ، هناك الأمم التالية:

العرب – الفرس – الأتراك – الأكراد – وبالإضافة إلى الأمم الواقعة على أطرافها . أمم تعيش بجانب بعضها البعض .تعش كل واحدة منها داخل حدود جغرافيتها . وبالتالي فإن عقلية كل أمة سجينة ضمن حدودها الجغرافية وتبني تطورها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والعسكري والثقافي داخل هذه الحدود . إن كل أمة تغذي عقول أبنائها بتاريخها وحضارتها وثقافتها وترى أن مأكلها وملبسها ومسكنها وحريتها ضمن هذه الجغرافية . وكل الأمم الأخرى يجب أن تكون خاضعة لها . ومن أجل ذلك تصرف مليارات من المال والتي هي من أتعاب أبنائها في بناء ترسانة عسكرية . إنها تزرع الحقد والكراهية ضد الأمم الأخرى ، وتعيش في عزلة رهيبة ضمن جغرافيتها . وطبعاً يكون رد الفعل من الأمم الأخرى هو القيام بنفس الاستعدادات وهي أيضاً تعيش في عزلة تامة ضمن جغرافيتها . والنتيجة الحتمية لزرع هذه الأشواك هو حصاد الشوك . فتكسر كل هذه الأسلحة وتدمر كل ما بنته الأجيال من عرق جبينها وتقع الكارثة . حروب قومية نتيجتها الدمار والخراب . وهذا يؤدي إلى الجوع والفقر وإلى قيام الحروب الأهلية ونزف الدم والدموع . وما الحرب العراقية – الإيرانية – والعراقية الخليجية – والعراقية – الكردية – والتركية الكردية – والإيرانية – الكردية - وغداً الحرب التركية - السورية . وبعد غد الحرب التركية الإيرانية . والنتيجة مزيد من الدمار والخراب والمآسي والهجرات الجماعية وتهديم البيوت فوق ساكنيها . وقتل الأطفال والشيوخ ومزيد من تلوث الجو والطبيعة والمياه وحرق المزروعات وقتل الحيوانات  وبالتالي مزيد من الحقد والكراهية بين الأمم الأربعة . والتي تربطهم حدود مشتركة ومياه مشتركة وسماء واحدة ومن المفروض أن تكون كل تلك العوامل المساعدة في تقديم المأكل والملبس والمسكن والحرية الجيدة للإنسان . تنقلب تلك العوامل المشتركة إلى عوامل الخراب والدمار والاقتتال .

ولنر كيف تتعامل العقلية الغربية مع روح العنصر الذي حل ؟. إننا نسمع اليوم من جميع وسائل الإعلام العالمية الكلمات التالية: السوق الأوربية المشتركة – والوحدة النقدي الأوربية المشتركة . البرلمان الأوربي المشترك . الوحدة السياسية الأوربية المشتركة – كيف حدث هذا ؟ وكيف تعاملت العقلية الغربية مع هذا الواقع ؟. وكيف استطاعت أن تخلع الألبسة التي رماها التاريخ؟ وكيف بدءوا خطواتهم نحو خلق هذا الواقع الجديد ؟

من منا لا يتذكر أن هذه الأمم كانت تعيش منعزلة كما نعيش نحن اليوم . وكانت كل أمة من تلك الأمم تزرع السموم في نفوس أبنائها ضد الأمم الأخرى التي تجاورها . وكانت ترى عزة أمتها ومجدها في سحق الأمم الأخرى . وتشكل الجيوش الجرارة  وتدرب أبنائها ليلاً نهاراً على الطاعة والنظام والانضباط والولاء لتلك الأفكار وماذا كانت نتيجة ؟ ألم تكن قيام حربين عالميتين جرت على البشرية الدمار والخراب وعلى نفسها هي بالذات ؟. هل نجت مدينة أو قرية أو مزرعة من الأمة الألمانية والفرنسية والهولندية والإنكليزية والأسبانية والإيطالية وكل الأمم الأوربية من الخراب والدمار ؟. هل خلقت تلك الأفكار القومية أو الدينية أو الوطنية أو الاشتراكية التي زرعوها في عقول أبنائهم كرامة الإنسان وهل خدمت الإنسانية أم كانت النتيجة بالعكس ؟. كيف استطاعت  العقلية الغربية أن تتخلص وبهذه السرعة من تأثير تلك الخرائط الجغرافية - القومية - الدينية - الثقافية - التاريخية لكل أمة ؟. كانت فيما مضى تعتبر كل أمة نفسها فوق الكل وعلى الكل أن يأتمروا بأمرها ويخضعوا لها . أما اليوم... ها هي الأمم الأوربية  تتقرب من بعضها يوماً بعد يوم نحو أوروبا السياسية الموحدة .. والإقتصادية الموحدة - والعملة النقدية الموحدة- والعلم الواحد والبرلمان الواحد . كيف استطاع الألماني أن يتخلى عن تمجيده لأمته واعتبارها من العرق الذي يحق له أن يكون سيداً لكل العالم ؟ وهكذا الفرنسي . والإنكليزي . والإيطالي .....كيف استطاع أن يتخلى عن علمه وتاريخه وثقافته ليلتحم في جميع الأمم الأوربية الأخرى ؟ ليضم إليهم رأسماله واقتصاده وإبداعه ومخترعاته ؟ وأن بحل الاعتزاز بأوروبا الموحدة محل الاعتزاز بأمجاد آبائه وعرقه وأصله وفصله ؟ لا فرق بين أن يسكن في برلين أو في باريس أو في لندن . يشتري بضاعة مكتوب عليها صنع في أوروبا .

لا ألمانية ولا إنكليزية ولا فرنسية ولا إسبانية أو إيطالية بل أوربية . وكلمة أوروبية تعني جميع هذه الأمم . المهم في ذلك هو أن   يعيش كإنسان يحصل على ثوابته الأربعة بشكل جيد . لا حروب ولا زرع أحقاد ولا أشواك ولا خوف من جارٍ يهدده صباحاً ومساءً .

لا جيوش جرارة . ولا تخزن ملايين الأطنان من المتفجرات التي تدمر الإنسان و ما بناه . ترى .. أي الحياتين أفضل ؟ هل حياة  الخرائط . العزة القومية أو الدينية أو الوطنية أو الاشتراكية . هذه الخرائط الانعزالية والتي تؤدي إلى الدمار و القتل و الخراب ؟ أم خارطة جغرافية تضم كل هذه الأمم باقتصادها و سياستها و ثقافتها و علومها و تكنولوجيتها ؟

ونتيجتها العيش الكريم و الأمن و السلام . ولكن لنسأل : كيف جرى هذا التحول الكبير في العقلية الغربية ؟ و أنا أقول : إنها  الحرية .. و ما السر ؟.

السر يكمن في أقوال صاحبنا الإسكافي الفيلسوف عندما قال : (( نحن في الغرب إذا تألمنا تستطيع أن نصرح و لكنكم في الشرق  إذا تألمتم لا تستطيعون أن تصرخوا )) . لقد استطاعت العقلية الغربية أن تتخلص من كل رواسب الماضي وبهذه السرعة نتيجة ممارستهم الحرية ، و في ظل الحرية استطاعوا أن يصرخوا ولذا كانت نتيجة صراخهم ظهور برامج سياسية  وأفكار و نظريات ثم تقدموا خطوة خطوة نحو بعضهم البعض وكانت الوحدة الأوربية . و التي بدأت تأخذ مشروعتيها من شعوبها عبر الاستفتاءات التي أجريت لكل أمة على حدة . لم تفرض فرضاً بل هي إرادة الأكثرية التي تريد التغيير و السير نحو الحياة الأوربية الأفضل. بدل الحقد والكراهية والحروب المدمرة . أما نحن في الشرق ، فالأمور تسير معكوسة . فبدلاً من أن نسير مع خط سير التاريخ إلى الأمام نسير إلى الوراء . ما زلنا نركب على الحمار بالمقلوب . إن من يتجول بين الناس في شرق أوسطنا بين أممنا الأربعة : العربية - التركية - الفارسية - الكردية - ومن يقرأ أدبياتها ويتطلع على أفكار شعرائها وكتابها وفلاسفتها يرى أن الأمور تجري كالآتي: الغني يكره الفقير - الفقير يكره الغني - العامل يكره الفلاح - والفلاح يكره العامل - الموظف يكره المراجع - والمراجع يكره الموظف - العسكري يكره المدني - وبالعكس . وجميع المذاهب الدينية تكره بعضها بعضاً - الاشتراكي يكره الديمقراطي    - الديمقراطي يكره الاشتراكي . الديني يكره الاشتراكي والديمقراطي . التاجر كل همه تشليح المشتري كل فرد مشغول بحياته ، بفرديته لا تهمه حياة الآخرين. المهم أن يبني حياته ، لا تكافل اجتماعي ، ولا ضمان صحي -  ولا ضمان تعليمي ولا ضمان شيخوخة . خارج نطاق الأمة العربي يزرع الحقد والكراهية في نفوس أبنائه ضد التركي - والكردي - والفارسي . والتركي يزرع الحقد والكراهية ضد العربي والفارسي والكردي . وكذا الفارسي والكردي أيضاً . ونتيجة زرع هذه الأحقاد والأفكار الحروب المدمرة . تجر على الجميع المآسي والويلات والمزيد من خنق الحرية . وكبت الألم والصراخ . هذه هي نتائج الطبيعية لحالة الحروب والسؤال الذي لا بد من طرحه : هل يمكن التكلم في مثل هذه الأحوال عن الإنسانية والإنسان ؟. وهل بقيت ثمة إنسانية نتكلم عنها ؟. ألا يعني أن طوفان نوح آخر بانتظارنا ؟ وللوصول إلى الحقيقة لنتابع طريقنا في البحث عنها . الحقيقة التي تنير أمامنا الطريق للنجاة من الهلاك . إننا أمام حالة رهيبة ، أمام خارطة شرق أوسطية مأساوية . أينما التفتنا وأينما نظرنا نرى ونسمع عن المآسي . لقد خلت قلوبنا من كافة العواطف الإنسانية النبيلة : الحب . العطف. والتعاون - المساعدة - الشفقة والرحمة - لقد تحول كل فرد منا إلى ذئب كاسر يريد أن يفترس الآخر . أية حياة إنسانية نعيشها ؟. ها هي تركيا تقتل شعبها ، وتتهيأ لقتل غيرها .. في  إيران الحرب الأهلية مشتعلة مع شعبها بقسميها الفارسي والكردي. في العراق الشعب يقتل بعشرات الألوف . يمت جوعاً . الشعب الكردي   يقتل بعضه بعضاً . ويقتل من قبل تركيا وإيران والعراق . وبالإضافة إلى القوى الإمبريالية . والإمبريالية تقتل الشعب الإيراني والتركي والعربي . تقتله اقتصادياً و عسكرياً .

هل بقي شيء اسمه الإنسانية ؟

كل إنسان في الشرق الأوسط يتألم ، و مصيبته أنه لا يستطيع الصراخ .  إن كل هذا يجري . وإن ما سيجري سيكون أكبر ضرراً وهولاً .

أما لماذا لا نحس ونشعر السبب بسيط ، لأننا مازلنا نركب على الحمار بالمقلوب . والسؤال : هل نستسلم  لليأس القاتل؟ . لا .. لقد بات الوضع يتطلب الخلاص . ولكن من يحمل تلك الرسالة ؟ .. رسالة الخلاص قبل أن يحل بنا الطوفان . وها أنا ذا أطرح وجهة نظري لطريق الخلاص .

إنها وجهة نظري أطرحها للفكر الديالكتيكي الحر بغية الوصول إلى الحقيقة .

إنها وجهة نظري توصلت إليها نتيجة تفكير طويل و بحثٍ شاق للوصول إلى الحقيقة .

و لكنني لا أدعي بأنني ملكت تفكير الحقيقة و توصلت إليها ، بل لا زلت أبذل جهدي للوصول إليها . و خلال بحثي عن الحقيقة التزمت بثوابت وهي :

1- إن الحقيقة لا يملكها إنسان واحد مهما ملك من الذكاء و العبقرية .

2- الحقيقة تتوالد مع الناس من خلال سيرهم مع التاريخ ، و تغير شكلها باستمرار .

3- على الجيل الذي يعيش و فق قانون المرحلة التاريخية المعاشة أن يكتشفها ثم يترك الشكل الذي يليه .

4- لا يمكن اكتشاف شكل الحقيقة في زمن ما من التاريخ إلا بالجدل الفكري الديالكتيكي الحر .

5- لا يمكن أن يكون هناك جدول ديالكتيكي حر ما لم يكن هناك مناخ حر .

6- الحقيقة دولاب كبير يشترك في دورانه القديم و الجديد معاً .

7- لا يمكن تحريك هذا الدولاب إلا بوجود التناقضين معاً.

إن مشاركتي في تحريك الدولاب ليس إلا خطوة ، فما على الآخرين إذا كانوا يريدون إنقاذ أنفسهم و إنقاذ الإنسانية من الهلاك أن يشتركوا في تحريك هذا الدولاب . و هاأنا أمام إجابة الشق الثاني من السؤال . لماذا اختار أبو إلياس صداقة الشعب الكردي؟ ولماذا تبنى قضيته ؟. - جـ - الشعب الكردي و قضيته : لقد قلت في البداية عن قضية الشعب الكردي . ها أنا أمام سؤال كبير . أمام قضية كانت صغيرة وأصبحت كبيرة فبالرغم من كل الجهود التي بذلت إقليمياً ودولياً بالخداع الإيديولوجي والقوة العسكرية والإبادة الجماعية والتهجير لم تتمكن تلك الجهود من محو قضية الشعب الكردي من الوجود . أما لماذا لم تتمكن ؟

فأنا أقول : لأن فيها سر خلاص البشرية . هذا السر هو الذي حفظ القضية . أما كيف ؟.. وما السر ؟.. فذلك يتطلب متابعة الطريق للبحث عن الحقيقة . ولا بد من صراع فكري ديالكتيكي حر داخل القضية وخارجها . وأنا بدوري يحق لي أن أبدي رأيي في تلك القضية التي لم تعد تخص الشعب الكردي وحده . ما دام يخص خلاص الإنسانية ، وأنا واحد من العائلة الإنسانية يهمني مستقبل هذا للكائن الرائع الذي بات مستقبله مهدد بالفناء. إن ثورة الشعب الكردي ثورة شعب سحقت إنسانيته .عندما يثور الشعب الكردي لا يثور في سبيل تحقيق إنسانيته فقط بل ثورة إعادة الإنسانية لكل إنسان. إن ثورة الشعب الكردي ليست ثورة  تحرر وطني، بل ثورة تحرر إنساني . إن ثورة الشعب الكردي هي إحياء لتراث الملايين من الشهداء الذين سحقت إنسانيتهم خلال خط سير التاريخ .هي إكمال لرسالة شهداء الإنسانية التي أريقت دماؤهم من أجل أن يصل الإنسان إلى حياة الحرية . إن ملايين الشهداء الذين سحقت كرامتهم الإنسانية وقدموا دماؤهم رخيصة في الجزيرة العربية وتحت لواء الإسلام . وفي الثورة الفرنسية  تحت  لواء الديمقراطية . وفي الثورة البلشفية في روسيا تحت لواء الاشتراكية . إن هذه الملايين من الشهداء فدوا بأرواحهم لا لينعم الساسة المستبدون ، في قصورهم على حساب المسحوقين كرامتهم الإنسانية . لإشعال نار الحروب الداخلية والخارجية ليقتل الإنسان أخاه الإنسان مهما تكن الدوافع . لا لبناء السجون ..لا لتخزين ألوف الأطنان من الأسلحة المدمرة.. لا لفناء بني الإنسان لا لتخريب الطبيعة والجو وتلوث المياه والبحار . بل أريقت دماؤهم ليعيشوا مع بعضهم البعض على قدم المساواة لكل منهم الحق في الحياة الإنسانية الحرة . إن ثورة الشعب الكردي ما هي إلا تكملة لتلك الثورات التي ذكرناها . إنها ليست ثورة دينية ولا ديمقراطية ولا اشتراكية بل  ثورة إنسانية . إن الذين ينعمون بالحياة الهادئة والمريحة ، والذين يأكلون حتى التخمة ، ويتمتعون بكافة المنتجات والتقنيات الحضارية الحديثة لا يستطيعون أداء رسالة ملايين الشهداء من أجل الإنسانية ، بل إن هؤلاء فقدوا الشعور بالإنسانية إن وضعهم يستدعي الشفقة وبحاجة إلى إعادت إنسانيتهم .

إن وضع الإنسانية بحاجة إلى إنقاذ من طوفان نوح جديد . وإن جيل جودي هو الجبل الوحيد الذي يستطيع إنقاذنا من الطوفان إن الذين سحقت كرامتهم الإنسانية بالرغم من آلامهم ومعاناتهم هم الذين يستطيعون حمل رسالة الإنسانية نحو حياة أفضل والتي ضحى ملايين الشهداء من أجلها . إنها ثورة ضد أعداء الإنسانية . هاهي وسائل الإعلام تنقل إلينا كل يوم من تركيا كيف يقتل الناس بالآلاف . كيف تقطع الأعضاء الجنسية لأبناء الشعب الكردي .كيف يجمع الناس في الساحات . في القرى ، في المدن ، في المساجد حفاة عراة نساء ورجالاً ويجبرون على أكل وشرب قذارتهم .ها هي وسائل الإعلام تنقل إلينا يومياً عن مقتل الآلاف من الناس الذين ينادون ويصرخون ضد الظلم والطغيان بأقلامهم . وألسنتهم ، و فجأة يقتلون أو يختفون .لا لذنب يقترفون بل لأنهم يمارسون حقهم في التعبير وإبداء الرأي .ويسجل مقتلهم في قائمة مجهولي الهوية. وسائل الإعلام تنقل إلينا أيضاً عن إضراب آلاف السجناء . السياسيين عن الطعام حتى الموت . لماذا الإضراب عن الطعام حتى الموت ؟ وما الذي دفعهم لحقوق الإنسان . وإننا نسأل: هل قطع الأعضاء الجنسية لبني الإنسان وقتل المثقفين وإجبار الناس على أكل قذارتهم وقتل رجال السياسة وتدمير القرى والمدن وقتل السجناء تحت التعذيب وتهجير الناس من ديارهم ، كل ذلك من أجل  الإنسانية ؟ هل يمكن لمثل هؤلاء الساسة والقادة الذين ينفذون مثل هذه السياسة ضد بني الإنسان أن يحملوا رسالة خلاص الإنسانية من الطوفان ؟. أم هم بالذات سـيسـببون الطوفان ؟

وإننا نقول: لا يمكن لمن يفعل كل هذا أن يحمل رسالة خلاص الإنسان . بل الذي تسحق كرامته الإنسانية هو الذي سيحمل رسالة الخلاص لقد بدأ ناقوس الخطر . خطر فناء الإنسانية يدق . وفي نفس الوقت بدأ ناقوس خلاص الإنسانية يدق .عندما نقول : إنها رسالة لتحقيق حياة إنسانية أفضل يعني ذلك أن هذه الحياة الإنسانية غير موجودة ، بل الموجودة هي الحياة الحيوانية . فلو كانت هناك حياة إنسانية موجودة يعني هذا أن أية دعوة لحياة إنسانية لا معنى لها لأنه ليس هناك فراغ . لأن الناس الذين يبغون الحياة الإنسانية لا يندفعون نحو هذه الرسالة . وبالتالي تفقد هذه الرسالة معناها وتتحول إلى طوباوية . إن  قوة وعظمة أي رسالة وحتى قول واحد بسيط يكمن سرها وعظمتها في طرحها وقولها عندما يكون هناك فراغ . ليس المهم أن يكون عند هذه الرسالة المال والسلاح والجاه والسلطان وأن يكون عند أعداء الإنسانية المال والجاه والسلاح والسلطان وإعلام وكهنة وشعراء بلاط بل المهم أن تعبر هذه الرسالة بإيديولوجية واضحة عن طموحات وآمال وآلام المسحوقين كرامتهم الإنسانية .إننا نعرف وكل البشر يعرفون أن أعداء الإنسانية يملكون المال والسلاح والإعلام وكل وسائل القهر و الاستعباد ، وكل ما تعانيه الإنسانية من آلام وأهوال هي من صنعهم . إنهم ضد أي تغيير أو تبديل أو طرح ايديولوجي أو رسالة لسحب البساط من تحت أقدامهم . إنهم يريدون أن ينعموا بكل نتائج الحضارة الحديثة على حساب سحق كرامة الإنسان والطبيعة على السواء . إنهم يتبعون في فلسفتهم سياسة البومة.وماذا تعني سياسة البومة ؟… هناك أقصوصة من الأدب الكردي تقول : عندما خلق الله عز وجل الطبيعة والإنسان والحيوان وقسم الأرزاق لكل نوع من الحيوانات وجاء دور البومة سأل الله عز وجل البومة وخيرها بين أمرين: أيتها البومة هل تريدين أن نطول حياتك و تحصلين على رزقك من هنا وهناك وتأكلين ما تيسر لك في بحثك عن طعامك . وقد تنامين يوماً جائعة وأخر شبعة ؟ أم تريدين أن يكون عمرك سنة واحدة مع تقديم ثلاث وجبات من لحم العصافير؟. اختارت البومة عمر سنة واحدة مع أكل ثلاث وجبات من لحم العصافير وهكذا تقرر مصير البومة على حساب التضحية بثلاث عصافير لتكون بطنها ممتلئة وتنام مرتاحة وهكذا هم أعداء الإنسانية . إنهم يريدون ثلاث وجبات من مص دماء الإنسانية لا يهمهم إن ذبح بعضهم بعضاً وإن دمروا أوطان بعضهم بعضاً لا يهمهم إن اخترقت طبقة الأوزون التي تحمي بني الإنسان من الموت المحتم .كل همهم أن تستمر هذه الحياة الحيوانية .ولا يهمهم طرح رسالة خلاص الإنسانية. إنني أعلم أن كل أعداء الإنسانية سيتكاتفون الأسياد منهم والتابعون لهم في شتى أنحاء الكرة الأرضية ضد رسالة خلاص الإنسانية . لأن في استيقاظ دعاة الإنسانية إنهاء حياتهم ، إنهم يريدون أن يعيشوا حياتهم ويمتعوا أبصارهم بمنظر الدم الإنساني المراق . لننظر إلى هذه الدنيا الجميلة الرائعة ، وإن أجمل ما في هذه الدنيا هو الإنسان ، ولكن لننظر إلى حال هذا الإنسان . ها هي النار تشتعل في كل مكان .في آسيا وإفريقيا وأمريكا الجنوبية .حروب أهلية فظيعة ، هجرة بالملايين ، قتل الناس بالألوف . تدمير المدن والقرى والمصانع والجسور والطرقات وحرق المزروعات ، قتل الحيوان وتلوث المياه ، أينما نظرنا والتفتنا . النار مشتعلة والخراب يعم . أرضا - وبحراً وجواً .كل ذلك من أجل أن يتمتع أعداء الإنسانية بحياة البومة . ثلاث وجبات من لحم الطيور وليكن عمرهم سنة وليذهب الإنسان والطبيعة أرضاً وبحراً وجواً إلى الجحيم . هذه هي فلسفتهم وهذه هي سياستهم .معاملهم تصنع الأسلحة . أربعة وعشرون ساعة في اليوم .هذه الأسلحة يقدمونها لكل طاغ مستبد دون قيد أو شرط .ليقتل شعبه وجيرانه والإنسانية . فإذا كانت هذه فلسفة أعداء الإنسانية وهذه سياستهم وهم  ينفذون ذلك عن وعي وإدراك فهل مخاطبة عواطفهم وضمائرهم وعقولهم تنفع ؟. ويؤدي إلى أي نتيجة ؟... إنهم يتشدقون بحقوق الإنسان كذباً ونفاقاً . يمدون لك يداً واحدة ويحملون خنجراً مسموماً في اليد الأخرى لطعنك من الخلف . إنهم يمارسون الخداع الأيديولوجي بجميع الوسائل الإعلامية المتطورة . هدفهم في ذلك تخدير عقول المواطنين بالحياة الإنسانية الكريمة وشل حركتهم من الانبعاث مهما ناشدناهم وطالبناهم بالعدل والأنصاف وحياة إنسانية افضل والكف عن زرع الحقد والكراهية بين الناس والتخلي عن الفتن والمؤامرات وعن إشعال نار الحروب . إن كل تلك المناشدات والصرخات الإنسانية. لا تنفع معهم أما لماذا ؟.. لأن في سيادة حياة إنسانية موتهم فإذا لم يقتل العربي الفارسي ، والفارسي العربي ، والتركي العربي ، والتركي الكردي…فهذا يعني الهدوء والسلام . والهدوء والسلام يعني البناء والتطور وهذا خطر على أعداء البشرية . إن القتال والحرب لا يتم إلا بالسلاح . لا العربي يصنع السلاح ولا التركي ولا الفارسي ولا الكردي . والسلاح عند أعداء الإنسانية وهذا يعني على العربي والفارسي والتركي والكردي أن يقدم الأموال الطائلة لأعداء الإنسانية ثمناً لشراء السلاح من اجل أن يقتل بعضهم بعضاً . فإذا    دمر أثناء الحرب ما بناه الإنسان في السنين طوال من المواصلات ومصانع وجسور ومصانع وعمران ودبابات وكل المنشآت الحيوية والتي لا تمكن أن تقوم حياة اقتصادية بدونها واستعادة ما دمر يعني تقديم مليارات من المال والتي هي من عرق جبين أبنائها . إلى أعداء الإنسانية . مما يساعد في دوران دولاب مصانعهم وانتعاش اقتصادهم وتجاربهم وبالتالي زيادة نفوذهم وسلطانهم. ومن ثم يزداد كابوس الرعب والخوف في سماء الإنسانية وهكذا دواليك . إنها لعبة ويا لها من لعبة وقودها دماء أبنائنا وعرق جبيننا . أرضنا تحترق وأشلاء أطفالنا وشيوخنا وشبابنا تتطاير في الهواء وتزداد قبورنا . إنها لعبة قذرة إلى متى تستمر هذه اللعبة وإلى متى نحن غافلون . هل فعلاً تسمو الأمة الفارسية بإلحاق الأضرار بالأمة العربية أو التركية أو الكردية؟…هل فعلاً تسمو الأمة العربية بإلحاق الضرر بالأمة الفارسية والتركية والكردية ؟… هل  تسمو الأمة التركية بقضائها على الأمة العريبة أو الفارسية  أو الكردية ؟ ... هل من أحد يبرهن لنا ذلك : إذا كان هناك ثمة برهان ؟... وأمام هذه الحالة المأساوية التي تعيشها الأمم الأربعة : العربية والفارسية والتركية والكردية. هل نستسلم لليأس ونسلم مصير إنسانيتنا للقدر؟... ألا يحق لنا أن نصرخ إذا تألمنا ؟... ألا يوجد أمل من أحد في الخلاص ؟... والجواب من وجهة نظري نعم يوجد طريق للخلاص . والذي سيقود سفينة الخلاص هو الشعب الكردي بالذات. لماذا ؟ لان أكثر شعوب المنطقة والعالم إنسانيتها مسحوقة ولكن كيف ؟ هذا يتطلب منا البيان . أمام الأمة العربية والفارسية والتركية والكردية طريقان لا ثالث لهما :

الطريق الأول: طريق السلام والأمن . فيه تتآخى هذه الأمم بالمساواة في كل شيء .

الطريق الثاني طريق الحرب والدمار إلا ما لا نهاية . طريق المآسي والأهوال لحين قيام طوفان نوح للقضاء على الكل بحيث لا يبقى بعدها إنس ولا جان . لقد آن الأوان ليتم الفرز بين الذين يريدون السير في الطريق الأول وبين الذين يريدون الطريق الثاني. لم يعد  الخداع الايديولوجي ينفع أحداً . كل مستقبل الإنسان في هذه المنطقة التي تسحق فيها كرامة الإنسان معرض للخطر عندما تصل هذه المنطقة من العالم إلى حياة إنسانية حرة عندها ستسود الحياة الإنسانية الحرة الكرة الأرضية بأكملها . أما لماذا؟ .. لأن في أرض هذه المنطقة عصب حياة أعداء الإنسانية . فعندما يسود الأمن و السلام و العدل و المساواة بين هذه الأمم و ترفرف راية الحرية عندها سنقلب خيرات هذه الأرض إلى خدمة الإنسانية بأكملها . أن أعداء الإنسانية و صلوا إلى درجة إلى أزمة لا يمكن التراجع عنها مطلقاً . لقد أوقعوا أنفسهم و الإنسانية جمعاء في حالة رهيبة . بات الطوفان على الأبواب و هم بالذات بحاجة إلى إنقاذ . و إن إنقاذهم سيتم من هنا . من مهد الإنسانية و الحضارات . إنهم يكرهون هذه الحياة و لكنهم لا يستطيعون تغييرها، بات وضعهم يتطلب الشفقة . لقد فقدوا إنسانيتهم منذ زمن بعيد عندما حولوا السياسة إلى كذب و غش ونفاق و منافع دون أي اعتبار للقيم الإنسانية النبيلة . لقد بدأت تباشير دفعهم الثمن نتيجة ما ارتكبوه بحق الإنسانية تظهر بين ظهرانيهم على شكل منظمات و أحزاب و رجال علم و ثقافة . منظمات الخضر والمحافظة على البيئة و على الحيوان و ضد أسلحة التدمير الشامل . وبدءوا يدفعون الثمن لحياة البومة التي اختاروها . كثرت الأعمال الإجرامية و الانتحار . و المخدرات . و الأمراض  الفتاكة  والانحلال الخلقي وفقدان الشعور الإنساني .و بدأ شعاع الموت ينزل من  السماء نتيجة تمزق طبقة الأزون . لم يبق ولا نبع بحر وجو إلا وتلوث إن ما خزنوه من أسلحة الدمار الشامل كافٍ لإبادة الجسم البشري بأكمله . بعد هذا لنسألهم : هل هم فعلاً  راضون عن الحياة البومة التي اختاروها ؟ أليس هم بحاجة إنقاذ ؟…

من المنقذ ؟... ومن الذي سيقود عملية الإنقاذ ؟... وإني أجيب : فعلاً الإنسان المسحوقة كرامته الإنسانية هو الذي سينقذهم .

والإنسان الكردي هو أكثر إنسان مسحوقة إنسانيته على وجه الأرض .

لا يمكن إجراء أي دراسة أو بحث أو وضع أهداف استراتيجية وبالتالي ممارسة عملية تكتيكية عن الشعب الكردي الذي وقع عليه رسالة الخلاص الإنسان من الحالة التي وصل إليها بشكل مجرد لا يمكن عزل القضية الكردية وإجراء دراسة معمقة عليها بمعزل عن تأثيرها المتبادل بين الأمم الأربعة العربية والتركية والفارسية والكردية . إن و ضع أي هدف استراتيجية بمعزل عن هذا الواقع هو خدمة أغراض أعداء الإنسانية . لقد تطور التاريخ وتغير الزمن وتغيرت معها مفاهيم التاريخ والزمن وبات بفرض على الواقع مفاهيم جديدة حسب قانون المرحلة التاريخية المعاشة ، ولكن لا يمكن فهم هذا التطور أو التغيير وبالتالي فهم هذه المفاهيم دون الجدل الديالكتيكي للفكر الحر . لقد آن الأوان لنخرج من طريق العاطفة والجهل ونسلك درب العلم . طريق العلم: للوصول إلى الحقيقة لا بد من الاسترشاد بنظرية علمية ، والنظرية العلمية التي يمكن أن نسترشد بها هي الجدل الديالكتيكي الحر.والفانون الأساسي للجدل الديالكتيكي هو وحدة وصراع الأضداد ومنه إلى نفي النفي . القضية الكردية: وحدة ونضال المتضادات التناقضات الأساسية في العملية هي الآتي:

التناقض الأول : الأمة العربية . التناقض الثاني : الأمة التركية . التناقض الثالث : الأمة الفارسية . التناقض الرابع : الأمة الكردية . التناقض الخامس : أعداء الإنسانية . التناقض السادس : إنسان حر وحياة إنسانية حرة .

إن هذه التناقضات الستة المشتركة في الصراع ديالكتيكي والمنطقة الجغرافية التي يجري عليها هذا الصراع هو الشرق الأوسط.والنتيجة سواء كانت سلباً أو إيجاباً تنعكس على الإنسانية بأكملها . ولندرس كيف تعاملت وتفاعلت هذه التناقضات مع بعضها عبر مراحل التاريخ .وما هي النتائج التي أعطتها سابقا وحاضراَ وما ستقدمه مستقبلاً . إن الواقع الموضوعي الذي تشكل نتيجة تفاعلات هذه التناقضات وانعكاساته الخطيرة على مستقبل بني الإنسان . هذا الواقع يتطلب رسالة خلاص ، وهذه الرسالة تتطلب من يحملها ولا يمكن أن يكون هناك رسالة دون إيديولوجية واضحة. ولكي تتحول هذه الإيديولوجية إلى قوة مادية وإلى برامج سياسية لا بد من قناعة الناس بها . ولكي يقتنع الناس بها يجب أن تكون مبدعة جديدة في كل طروحاتها . ولكي تكون مبدعة يجب أن تعبر عن طموحات وآمال وآلام ملايين الناس الذين سحقت كرامتهم الإنسانية وفق قانون المرحلة التاريخية المعاشة . ولا يمكن الوصول إلى حقيقة هذه الإيديولوجية إلا بالجدل الديالكتيكي للفكر الحر . ولكي تدور عجلة الإيديولوجية المطروحة يجب البحث عن هذه الأفكار المتضادة وإيصالها إلى أكثر الناس لكي يبدأ الجدل الديالكتيكي الحر لإظهار الحقيقة . والحقيقة تعني التطور والتطور يعني القضاء على التخلف . الأمن والسلام والخروج من حالة البؤس والشقاء إلى الحياة الإنسانية الأفضل . الحقيقة تعني التفكير حسب منطق العصر . الحقيقة تعني أن يتخلى الإنسان عن ألبسة رماها التاريخ .ويلبس بدلاً منها ألبسة العصر المعاش التطور يعني المساواة والعدالة في كل شيء . لكل قوميته وأرضه وتاريخه وعاداته وتقاليده . ومعاشات هذه القوميات مع بعضها البعض بالمساواة . يتبادلون المنافع والخيرات ويرفعون راية الحرية لهم وللإنسانية بدلاً من الحروب      والتكبر والأفكار الشوفينية وسيادة أحدهم على الآخر . التطور يعني سيادة مناخ الحرية من أجل الإبداع . كل هذه المعاني والمفاهيم الإنسانية تتجسد في رسالة الخلاص . والسؤال : على من ألقيت مسؤولية تأدية هذه الرسالة . ولنبحث عن التناقض الذي سيؤدي هذه الرسالة من بين التناقضات المذكورة . ولكي ندرك ذلك لا بد من بيان الآتي: لا يمكن بناء الحاضر دون فهم الماضي. ولا يمكن بناء المستقبل دون فهم الحاضر . لأن بناء الحاضر يعتمد على الماضي وبناء المستقبل يعتمد على الحاضر . ولكي تدرك تماما على من تقع مسؤولية بناء المستقبل من هذه التناقضات والتي هي في وحدة وصراع الأضداد وفق القانون الديالكتيكي يجب فهم كل تناقض على حدة . ومن ثم فهمه ديالكتيكياً للوصول إلى الحقيقة .

التناقض الأول: الأمة العربية: لقد نشأت الأمة العربية فوق أرض سميت بالجزيرة العربية . لم يثبت التاريخ بأنها قامت على أنقاض أمة أخرى بل نشأت وترعرعت وصنعت تاريخها وأبدعت لغتها وثقافتها عبر مراحل التاريخ فوق أرضها . لقد تكونت نتيجة تفاعل تناقضاتها الإجتماعية والإقتصادية . والثقافية أوضاع سحقت فيها كرامة الإنسان ودنت منزلته إلى أدنى المستويات. وكان لا بد من أن ينفجر هذا المجتمع . وقد بينا سابقاً الحالة التي سادت الجزيرة العربية . ودائماً وأبداً عندما يصل مجتمع ما إلى الدرجة يختل التوازن الاجتماعي والسياسي والاقتصادي ، يعيش الناس حالة صعبة . عندها يقع الاختيار على هذا المجتمع  الذي سحقت فيه كرامة الإنسان دور القيادة دور الخلاص والمنقذ للإنسانية . وهذا ما حصل . حيث برزت الثورة الإسلامية بإيديولوجيتها . وشخصيتها التاريخية محمد صلى الله عليه وسلم . لقد تحولت هذه الإيديولوجية إلى قوة مادية هائلة تجاوب معها كل الذين سحقت إنسانيتهم فامتدت حولها وبعيداً من حدود الصين وحتى قلب أوروبا فتركت هذه الإيديولوجية آثارها البعيدة بين الأمم الأربعة : العربية والتركية والفارسية والكردية . إن رسم أية أهداف استراتيجية من قبل هذه  التناقضات الأربعة دون دراسة هذا الوضع التاريخي الذي نشأ يكون ناقصاً ويؤدي إلى نتائج عكسية . إن الثورة الإسلامية التي قامت تحت راية هذه الإيديولوجية في مجتمع التناقض الأول كان هدفها العدل والحق والمساواة . ولكن بفعل العامل السياسي تحولت نتائجها إلى حكم القصور والحروب وحياة البذخ والترف والجنس و ألف ليلة وليلة .بدأ بقصور الخلفاء الراشدين و العباسيين والأمويين . وانقسمت تلك الإيديولوجية على نفسها إلى مذاهب : سنية وشيعية ومذاهب أخرى . وبالتالي انقسمت هذه الأمم الإسلامية إلى أمم مذهبية جرت معارك حربية بينهم . و هكذا استمرت الحال لفترة طويلة .ولم يتغير الحال بسبب عدم بروز قوة إنتاجية متطورة حسب قانون المرحلة التاريخية .وبقي الناس يأملون في خلاصهم . ومع انقسام الأمة الإسلامية الواحدة من بدايتها إلى أمم مذهبية لكل منها نظرتها الفلسفية .انقسمت هذه الأمم المذهبية إلى تيارين أساسيين: الأول تزعمتها قيادة سنية والثاني قيادة شيعية . واشتبكت التناقضات الأربعة في هذه المعركة .ولدى دراسة الخارطة الدينية لهذه التناقضات فإن أي تناقض لا  يخلوا من تأثير هذين التيارين المذهبيين . 

مع انقسام الإيديولوجية الإسلامية إلى هذين التيارين الرئيسيين نشأت سلطتين سياسيتين . وبدأ كل تيار صراعه من أجل السلطة لتزعم الأمة الإسلامية و فق فلسفتها . ونشأ صراع عنيف بينهما ، كل واحد يزرع الحقد والكراهية ضد الآخر . بدأ من القرية إلى المدينة . ولمدة طويلة وكان لا بد من أن تكون نتيجة حصاد الشوك .

والتاريخ يشهدكم من المعارك والمآسي حلت بالأمة الإسلامية ومازال هذا الحقد والكراهية مستمرين حتى الآن . والسؤال الذي لا بد أن نسأله : هل الذين دفعوا دماؤهم رخيصة وتجاوبوا مع الإيديولوجية الإسلامية لدى نشوئها أن تكون النتيجة هذه الحال المأساوية والصراع من أجل كراسي السياسة وتفريق الناس .؟. لقد أصاب البلاء والشر والانقسام للتناقضات الأربعة ومازال الوضع مستمراً . هل يمكن و ضع هذه استراتيجي لخلاص بني  الإنسان في هذه المنقطة دون أخذ هذا الوضع بعين الاعتبار ولكن كيف ؟. لبناء المستقبل يجب فهم الماضي ولنتابع طريق البحث عن الحقيقة . لقد تزعم التيار الأول التناقض الثاني: الأتراك. وتزعم الثاني التناقض الثالث : الفرس.ولنرجع إلى فهم الماضي .

كيف ظهر التناقض الثاني : الأتراك ؟ لا بد من أن نسأل هذه الأسئلة . من أين جاء التناقض الثاني ؟ وكيف ظهر ؟ وما هي آثاره التاريخية البعيدة ؟ و كيف لعب دوره إذا لم نفهم ذلك جيداً لا يمكن فهم الحاضر وبالتالي لا يمكن بناء المستقبل .كل ذلك مسترشدين بقانون المرحلة التاريخية منذ عشرة آلاف سنة . لم يذكر التاريخ وجود شعب أسمه الأتراك في منطقة الشرق الأوسطية ، بدأ بالسومريين والآكاديين . والبابليين . والآشوريين .والعرب والفرس والأكراد والأرمن والإغريق. والرومان .لم يظهر الاسم التركي مع كل هذه الأمم في هذه البقعة من العالم.وعندما جاءوا بعد كل هذه الأمم التي أقامت حضارتها ودولها وحروبها في هذه المنطقة على شكل فبائل وغزوات من أقصى الشرق هروباً من حياتهم الصحراوية أفواجاً أفواجاً يدفعهم الجوع. والقحط نحو الأماكن التي يوجد فيها الماء والخضرة مدججين برماحهم . وسيوفهم . وسهامهم .فاستوطنوا بجانب أهلهم ضيوفاً بحاجة إلى أن يأكلوا ويسكنوا ويلبسوا جاءوا لا يحملون معهم أية رسالة ولا إيديولوجية ولكنهم متمركزون حول قيادتهم ومسلمين. سكنوا أرضاً ليست أرضهم .لا يربطهم بهذه الأرض المعمورة والمزروعة ولا بساكنيها أي رباط . ومع الأيام توالد وتكاثروا فكان لا بد من أرض يبنون عليها مساكنهم ومزارع يزرعونها كي يعيشوا ، ولكن الأرض لها أصحابها ، هذه الأرض المزروعة والمعمورة منذ آلاف السنين . لا بد من استعمال القوة لسلب أراضيهم وإخضاعهم . فبدءوا بممارسة السياسة . ومن هنا بدءوا. إنهم يملكون قوة بشرية ممركزة دافعهم الجوع ولكن ممارسة السياسة تحتاج إلى إيديولوجية لأنها تلعب دور الالتحام بين البشر تماماً كما  يلعب الإسمنت دوره في البناء . ولما كانت الإيديولوجية هي نتيجة تفاعل المتضادات وهذا لا يمكن إذا لم تكن هناك أرضاً يتفاعل عليها. وأن الأتراك لا يملكون هذه الأرض بل جاءوا وافدين . إن ظهور إيديولوجية تجمعهم  أمر صعب للغاية. ولكي يمارسوا السـياسة ، كان لا بد لهم أن يحلوا مشكلة إيجاد إيديولوجية . ونتيجة انحراف الثورة الإسلامية التي قامت في الجزيرة العربية بفعل العامل السياسي إلى حياة القصور خلال العهود المتتالية : الراشدين – الأمويين – العباسيين – كان لا بد من أن يتصرف الناس عن تلك السياسية ويدب الضعف والوهن في جسد كل النظام السياسي . وكان من الطبيعي أن يختل التوازن الاجتماعي والسياسي والاقتصادي وتتوقف عملية التطور وعندها بدأ فصل جديد في تاريخ منطقة الشرق الأوسط .تقمص الأتراك الإسلام واستطاعوا أن يستولوا على ميراث الإمبراطورية الإسلامية بقيادة التناقض الأول : العربية . وفتحوا صفحة جديدة من الحروب والغزوات بحجة امتداد الإسلام والدفاع عنه وإقامة حكم الله في الأرض. وبذلك أصبحت لهم الأرض.الإيديولوجية .السلطة .حروب طويلة وقتل ودمار وزرع فتن وجهل وفقر وفساد سياسة وسلاطين متعجرفة ونظام اجتماعي إقطاعي لم يشهد له التاريخ مثلاً من الفظاعة والبشاعة. الشيء المهم في ظل الإمبراطورية العثمانية الإسلامية هو طاعة السلطان . ما دمت مطيعاً له الذي هو خليفة الله في الأرض . كل شيء مباح لك اعمل ما شئت . اقتل . انهب . استولي على الأراضي . املك من النساء ما شئت . لا شيء مقدس سوى طاعة السلطان . هكذا يكون حكم اللصوص . لقد كانت أخطر لصوصية في التاريخ . الطبقات التركية الحاكمة جاءوا لصوصاً فتحولوا إلى سادة في ظل لواء الإسلام .والإسلام بمبادئه وأحكامه الحنيفة جاء لخلاص الإنسانية من الظلم والجور . لم تكتف الطبقات التركية الحاكمة من إشباع الناس ظلماً وطغياناً . بل تحول آذانهم إلى سحق جوهر الإسلام بالذات عندما أخرجوا لنا بدعة الطورانية واتخذوها عقيدة إيديولوجية جديدة لهم وانقلبوا إلى سحق القوميات الأخرى فانقلبت الآية من حكم الله باسم الإسلام إلى حكم الأتراك في الأرض . والغريب أن هذه السياسة طبقت على العرب أنفسهم الذي نزل القرآن الكريم بلغتهم ، حتى القرآن قلبوه من اللغة العربية إلى اللغة التركية . لم يبق شعب من الشعوب الإسلامية إلا وتعرض لأذى الطبقات الحاكمة التركية . إن ما زرعه من أحقاد بين المذاهب أدى إلى مذابح رهيبة لا يمكن لآلاف السنين أن تمحوا آثارها . وما زالت تلك الأحقاد تؤدي إلى اصطدامات خطيرة . أدت إلى نتائج سيئة في الحياة الإجتماعية والسياسية وعلى الوحدة والتضامن والإخاء بين المسلمين . إن مثل هذه السياسة التي مارستها الطبقات الحاكمة التركية أوصلت كرامة الإنسان والإنسانية إلى الحضيض . ونظراً لعدم تطور القوة المنتجة من ظل هذا النظام الإقطاعي الفظ لم يكن من المستطاع ظهور إيديولوجية جديدة لتنقذ الإنسان من حكم الطبقات الحاكمة التركية . وأخيراً تحولت هذه الإمبراطورية من حكم السلاطين العثمانيين إلى رجل مريض . وكان لا بد من أن تنتظر نهايتها المحتومة . عندها بدأت مرحلة أخرى في تاريخ الشرق الأوسط . تطورت القوة المنتجة في أوربا وظهرت معها إيديولوجية جديدة لدى انفجار الثورة الفرنسية عام 1789- إيديولوجية الطبقة البرجوازية تحت لواء الديمقراطية وشعارها الأساسي : الحرية - المساواة والعدالة - كان هدفها تدمير البنية الإجتماعية للنظام الديني السابق . وانتشر شعار الحرية والمساواة والعدالة بين الناس كانتشار النار في الهشيم - ولدى وصول هذه الطبقة الجديدة إلى السلطة أعلنت حقوق الإنسان وفتحت المجال أمام ممارسة الحرية وفجرت بذلك كل الينابيع التي كانت مغلقة أمام الإبداع بعد أن تخلص الناس من التفكير الميتاقيزيقي . تقدمت العلوم وبشكل هائل وأبدعت وسائل إنتاج متطورة وأنواعاً من الأسلحة الجديدة وأنتجت من البضائع ما يكفيها وزيادة عن حاجتها . فراحت تبحث عن الأسواق لتحصل منها على المواد الخام لتشغيل مصانعها ولتصريف بضائعها الزائدة . وعندها بدأ فصل آخر في تاريخ الشرق الأوسط . عندها ظهر التناقض الخامس : أعداء البشرية . كانت الإمبراطورية العثمانية تعيش أحلك أيامها . وأصاب الشلل كل النظام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي ودب فيه الفساد . في ذلك الوقت سميت الإمبراطورية العثمانية بالرجل المريض . وبدأ تدخل أعداء الإنسانية في شؤون المنطقة بعد أن ملكوا القوة. فكانت حاسة الشم عندهم قوية . شمو رائحة البترول من بعيد الذي هو العصب الحساس للآلة الصناعية . وليس غريباً أن يقول أحد علمائهم القول المشهور: (( النور يأتي من الشرق )) . وبدؤوا بالخفاء يرسمون خارطة جديدة للشرق الأوسط فقسموها إلى أجزاء حمراء وخضراء وصفراء . وعقدوا بينهم الاتفاقات والمعاهد السرية لتقسيم الإمبراطورية العثمانية المريضة وفعلاً مزقوا أوصال هذه الإمبراطورية وقسموها إلى أجزاء وخططوا حدودها على هواهم وحسب مصالحهم دون الأخذ بعين الاعتبار مصالح شعوب هذه المنطقة ثم جعلوها دولاً ومحميات وملكيات مع بقاء الشعب الكردي مقسماً أرضاً وشعباً ليخلقوا بذلك أكبر مشكلة في الشرق ولكي تكون بؤرة للمشاكل والقتال وعدم الاستقرار . وعامل ضعف . لكي يتمكنوا من بسط نفوذهم وفق مصالحهم الإقتصادية والاستراتيجية ولتكون ساحة معارك حربية طاحنة بين الأمم الأربعة : العربية والكردية والتركية والفارسية . كلما دمرت أسلحتهم لجأوا إلى أعداء الإنسانية كي يستعيدوا ما خسروه . وكلما دمرت مصانعهم وآلاتهم الإنتاجية لجأوا إلى أعدائهم ليشتروا منهم وبذلك يبيعون أسلحتهم وصناعاتهم وبضائعهم في هذا السوق . ويأخذون من المنطقة تلك الأموال التي قبضوها ثمناً للبترول . وبذلك يؤمنون لهم حياة مترفة لشعوبهم لكي لا يثوروا عليهم . لقد خلقوا بين كل أمة وأخرى مجاورة مشكلة حدودية أو اقتطعوا قسماً منها وضموها  قسراً إلى أمة أخرى ، وحسبوا الحساب لآلاف السنين كي لا يسود الأمن والسلام والاستقرار بين هذه الأمم الأربعة وتكون في صراع وعراك دائمين . لقد قسم أعداء الإنسانية الشعب الكردي بكامله ووزعه بين الأمم الثلاث والذي ثبت تاريخياً أنه موجود فوق أرضه عشرة آلاف سنة قبل الميلاد دون أن يلتزموا بأية معايير أخلاقية وإنسانية عندما كان مصير العالم بين أيديهم . لقد تصرفوا على هدي مصالحهم الإقتصادية والسياسية . ترى .. هل قامت الثورة الفرنسية وأريقت تلك الدماء من أجل سحق كرامة الإنسان في هذه المنطقة ؟ أم من أجل خلاص الإنسان والإنسانية من الظلم والطغيان ؟. ومرة أخرى تتحول أهداف الثورة بفعل السياسة إلى نقيضها . وبقيت مشكلة الإنسان الحر بدون حل .

بظهور التناقض الخامس تراجع الشرق الأوسط بأرضه وشعوبه إلى الوراء . كثرت الحروب وفقد الأمن والسلام وسار التخلف السياسي والاقتصادي والعلمي . تحول الشرق الأوسط إلى سوق لبيع السلاح والبضائع ومصدراً للمواد الأولية وللطاقة البشرية الرخيصة . فبدلاً من أن تكون خيرات هذه المنطقة لصالح بني الإنسان في مأكله وملبسه ومسكنه وحريته تحولت إلى ضده . وأثناء ظهور التناقض الخامس ومستعمرين ظهر شعاع آخر من الخلاص. فبقيام ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا توجهت أنظار الناس في المنطقة إلى تلك الثورة آملين في الخلاص . هذه الثورة كان وقودها أيضاُ دماء المسحوقين كرامتهم الإنسانية في روسيا القيصرية ، واستطاعوا بعد تضحيات جسمية الحصول على السلطة تحت شعار: إنهاء استغلال الإنسان للإنسان وذلك بالقضاء على المجتمع الطبقي . فتأمل الناس في هذه المنطقة والعالم بالخلاص من الظلم والطغيان وتحقيق العدالة الإجتماعية وانتشرت أفكار تلك الثورة العظيمة ليكملوا ما قام به شهداء الإنسانية في الجزيرة العربية تحت لواء الإسلام  وما قام به شهداء الإنسانية في الثورة الفرنسية ليكملوا رسالتهم المقدسة وإيجاد حل لمشكلة الإنسان الحر . فتشكلت في هذه المنطقة أحزاب وبدءوا بنشر أفكار تلك الثورة مبشرين الناس بالخلاص وفي النهاية المطاف ومع الأسف انهارت تلك الإمبراطورية التي كانت الأمل في الخلاص .انهارت لأنها لم تقم وزناً لحرية الإنسان . ومرة أخرى يعمل العامل السياسي على إفساد وتدمير رسالة شهداء الإنسانية من أجل حياة  أفضل للإنسان الحر في هذا العالم . وتبقى مشكلة الإنسان الحر بدون حل . وبقي حمل هذه الرسالة دون قيادة. ترى: من يقودها ؟ .

ولنتابع طريقنا في البحث عن الحقيقة . الحقيقة التي ترشدنا إلى القيادة . قيادة حمل الرسالة الإنسانية والإنسان الحر يعيش حياة تليق بكرامة الإنسان  الذي هو أسمى المخلوقات على هذه الأرض لم يبخل شهداء الإنسانية بدمائهم وأرواحهم في كل مكان وزمان عندما تتعرض كرامة الإنسان للسحق . وفي ظل مختلف الإيديولوجيات دينية ودينوية ولكن في كل مرة تأتي النتيجة عكسية بفعل السياسة بدفع الشهداء أرواحهم ودمائهم الذكية وعلى ميراث أرواحهم ودمائهم يصعد الساسة إلى كراسي الحكم وسرعان ما ينسون الدماء التي أريقت . وتصبح شهوة السلطة وحياة الترف والبذخ قوة قهر واستبداد وتنقلب ضد الإنسان والإنسانية فبدل من حياة حرة تصبح حياة عبودية . لقد وصل الحال بالإنسانية والطبيعة والتي هي الأم الحنون للإنسان في خطر شديد على كل كائن حي. الإنسان والحيوان والنبات . في البر والبحر والجو . ترى .. إلى أين تسير الإنسانية بهذه السياسة الحمقاء ؟ وأية دنيا يمكن أن تكون لها قيمة دون إنسان وحيوان ونبات وهواء وماء؟.

إلى متى تكون دماء شهداء الإنسانية وأرواحهم سلاح للساسة كي يصعدوا بواسطتها إلى كرسي الحكم ؟. من ينهي هذه اللعبة الخطيرة على مصير الإنسان والإنسانية والطبيعة ؟. هل المترفون الذين يعيشون على مص دماء الإنسان ويسحقون حريتهم ؟. هل الذين جعلوا من إشعال الحروب والفتن بين الشعوب والأمم لكي يقتلوا بعضهم بغضاُ .؟. هل الذين يريدون أن تسموا شعوبهم أو أمتهم على حساب جماجم شعوب أخرى .؟.

هل الذين جعلوا من حرب الأمة لبعضهم البعض هدفاً له بغية يبع سلاحهم وعتادهم ؟.

هل من أحد في الدنيا يمكن إن يصدق مثل هؤلاء يمكن أن يحملوا رسالة شهداء الإنسانية ورسالة الإنسان الحر ؟. أم الذين يتألمون  ليلاً ونهاراً من الجوع والمرض والتخلف والبرد والحر ، الناس المسحوقة كرامتهم الإنسانية ؟. لنسأل الذين يقفون في طريق الإنسانية مهما تكن الإيديولوجية التي ينادون بها دينية . ديمقراطية . اشتراكية. هل الحرب أفضل من السلام .؟. هل الكره أفضل من الحب ؟.

هل التفرقة أفضل من الوحدة ؟. هل العيش أساس سادة وعبيد أفضل من العيش المشترك على أساس المساواة ؟. هل معاداة الجار أفضل من العيش معه بأمان وسلام ؟. وهل شراء الأسلحة وآلات الدمار أفضل من بناء الجسور والطرقات والمعامل وإنعاش الزراعة ...؟

هل دفع الناس إلى الحرب أفضل من دفعه إلى البناء ؟ لماذا تستهلك إمكانيات الإنسان لبناء آلة الحرب ؟. لماذا تستهلك خيرات الأرض من أجل دمار الإنسانية ؟ . أليس أعداء الإنسانية في نهاية القرن العشرين و بداية القرن الحادي و العشرين يمارسون سياسة الركوب بالمقلوب على الحمار ؟. ألا يحق لنا نحن بني البشر أن نصرخ ونحن نتألم ونقول كفاكم سياسة الركوب على الحمار بالمقلوب ؟. لقد أصبحت الإنسانية و الطبيعة في خطر شديد ولا بد من قيادة لإنفاذ البشرية من الهلاك . هل الحضارة     والمدنية والتقدم في امتلاك أسلحة الدمار الشامل : نقول لها للسابقين و اللاحقين ؟. أم في الأمن و السلام وإقامة الحق و العدل والمساواة بين الناس ؟. وهل يمكن أن يقوم أمن وسلام وحق وعدل ومساواة بين الناس دون ممارسة سياسة تؤدي إلى ذلك ؟.   إن طرح مثل هذه الأسئلة وغيرها لابد أن يقودنا إلى التفكير بطريق الخلاص ولنتابع طريقنا في البحث عن الحقيقة . طريق الخلاص .

و من وجهة نظري قبل الانطلاق في طريق البحث عن الحقيقة والتي تقودنا إلى الخلاص لا بد من ثوابت نلتزم بها كي لا نتوه في طريق وعرة وشائكة خلال البحث عن الحقيقة .

1ً- إن طريق خلاص الإنسانية وبناء الإنسان الحر يبدأ من الشرق الأوسط .

2ً- إننا نقصد بالشرق الأوسط أريع أمم متشابكة مع بعضها البعض في صراع ديالكتيكي ، كل واحدة منها تؤثر على الأخرى وتتأثر بها .

3ً- إن ظهور رأي اتجاه سياسي أو فكري في إحدى هذه الأمم لا بد أن يؤُثر على الأمم الأخرى سواء أكان اتجاه دينياً أو ديمقراطياً أو اشتراكياً .

4ً- الشرق الأوسط يعني الأمم التالية : العربية - الفارسية - التركية - الكردية .

5ً- تتكون نواة بناء خلاص الإنسانية من هذه الأمم الأربعة ومن ثم تصبح كالكرة كلما دارت لفت حولها الخيط وكبرت لتشمل خلاص الإنسانية .

6ً- ليس خلاص الإنسانية بامتلاك الأسلحة الكثيرة والمدمرة .

7ً- إن خلاص الإنسانية يأتي من بناء الإنسان الحر .

8ً- ولا يمكن بناء الإنسان الحر إلا بوجود رسالة .

9ً- ولا يمكن حمل أي رسالة دون إيجاد إيديولوجية .

10ً- إن هذه الإيديولوجية يجب أن تعبر عن روح العصر  وتبني على ميراث شهداء الإنسانية في الجزيرة العربية والثورة الفرنسية والثورة الاشتراكية في روسيا وتكون عصارة هذا التاريخ بأكمله .

11ً- إن الأمم الأربعة متشابكة في تفاعل ديالكتيكي يجب دراسة هذا الوضع على ضوء النظرية العلمية الديالكتيكية في وحدة صراع الأضداد.

12ً- يجب بيان التناقض الرئيسي الذي سيلعب دور القاطرة في جر العملية بأكملها .

13ً- إن روح العصر وتوجيهه بفرض أسواقاً اقتصادية إقليمية مشتركة بين هذه الأمم الأربعة .

14ً- إن طرح نظام سياسي شرق أوسطي بأن يفرض نفسه . قد تكون دولاً مستقلة أو كونفدرالية أو فدرالية حسب إدارة شعوبها.
15ً- إن القصد من الإنسان الحر هو الإنسان الذي تؤمن له الثوابت الأربعة : المأكل الجيد - الملبس الجيد - والمسكن الجيد -والحرية الجيدة - .

16ً- الإنسان الحر يعني أن كل إنسان له الحرية في أن يتكلم و يكتب بلغته و يدرس تاريخه و يمارس عاداته وتقاليده  ومعتقداته الدينية والعلمية دون إكراه .

17ً- لكل شعب أو أمة أو أرض يبني عليها تطوره السياسي و الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والفني .

18ً- إن كونفدرالية تجمع بين هذه الأمم الأربعة تكون خيرات أرض هذه الأمم لمصلحة الإنسان الحر .

19ً- لكي يمارس الإنسان الحر حياته ينقسم الناس إلى قسمين. الأكثرية والأقلية ، كلاها لهم الحق بالعيش بكرامةٍ إنسانية في ظل الإحترام المتبادل

20ً- لا يحق للأكثرية أن تسحق كرامة الأقلية مطلقاً .

21ً-ولا يحق للأقلية أن ترفض حكم الأكثرية بالعنف.

22ً-على الأكثرية أن تؤمل كل مجالات الحياة للأقلية لتعبر وبحرية عن كافة آرائها ونظرياتها والدفاع عنها ولإقناع الناس بها .

23ً- وعلى الأقلية أن تلتزم بكافة التشريعات والقوانين السياسية والإقتصادية مع الاحتفاظ برأيها لطرح الآراء البديلة مهما تكن نوعيتها .

24ً- العامل الحاسم بين الأكثرية والأقلية هو الصندوق الذي يدلي الناس فيه بآرائهم . هذا الصندوق الذي يبين الحقيقة والأكثرية من الأقلية .

25ً- ليس هناك أية قوانين أو دساتير أو نظريات أو آراء أو أفكار مقدسة توضع لمرة واحدة وإلى الأبد كل ذلك يخضع لقانون الأكثرية والأقلية .

26ً- يمكن للأكثرية أن تتحول إلى أقلية ، ويمكن للأقلية أن تصبح أكثرية بفعل قانون المرحلة التاريخية المعاشة وظهور قوة ضاغطة جديدة وحقيقية غيرت شكلها .

27ً- يجب دائماً وأبداً عرض كل ذلك للصندوق لرأي الشعب .

28ً- إن فرض أي نظام سياسي واقتصادي واجتماعي أو ثقافي على الإنسان خارج قانون الصندوق مهما يكن مصدره: ديني - ديمقراطي - اشتراكي . يعني ذلك وقف عملية التطور بأكملها ، يعني التخلف . لأنه لا إبداع دون إنسان حر .

29ً- إن الوصول إلى كونفدرالية الشرق الأوسط يتم من خلال الجدول الديالكتيكي للفكر الحر أولاً قبل أن يتحول إلى برامج سياسية لإقناع الناس بها .

30ً-الإنسان الحر ضمن هذه الكونفدرالية له الحق في الحياة الحرة الكريمة مع الثوابت التالية: 1- الضمان الاجتماعي ‌ -2- الضمان الصحي -3- الضمان التعليمي -4- ضمان الشيخوخة.

31ً- هذه الثوابت تلتزم بدستور . وتبقى الثوابت الأساسية للإنسان الحر في كل زمان بصرف النظر عن قوميته ودينه ومعتقده مهما يكن نوعها . المهم كونه إنسان .

32ً- يتحول إسم الكونفدرالية الشرق الأوسط فيما بعد إلى (( واحة الحرية )) إن كونفدرالية الشرق الأوسط يعني تجمع أربع أمم في ظل نظام سياسي واحد تجمعهم سوق إقتصادية مشتركة يتآخى فيها العربي - والتركي - والكردي - والفارسي . مع احتفاظ كل أمة بقوميتها ولغته وثقافتها . كل إنسان من هذه الأمم له الحق في الثوابت الأربعة : الضمان الصحي -  الاجتماعي - التعليمي والشيخوخة . هذا هو تصوري لمستقبل كونفدرالية الشرق الأوسط للأمم الأربعة . لواحة الحرية . إنني أقدم أفكاري ونظراتي لكل من يعز كرامة الإنسان الحر . إنها ليست أفكار مطلقة بل أطرحها للجدل الديالكتيكي للفكر الحر بغية الوصول إلى الحقيقة . ولنقترب أكثر نحو إكتشاف القيادة التي تقود العملية نحو هذا الهدف : كونفدرالية الشرق الأوسط . واحة الحرية .

لقد قلنا سابقاً يبنى الحاضر على الماضي ويبنى المستقبل على الحاضر ، ولكي نبني الحاضر يجب أن نفهم الماضي . ولكي نبني المستقبل يجب أن نفهم الحاضر ولنتابع .

تنقسم نواة واحة الحرية إلى الخارطات التالية :

1- الخارطة الجغرافية وتضم : إيران وتركيا و كردستان وقسم من الوطن العربي .

2- الخارطة البشرية : الأمة الفارسية . الأمة التركية .الأمة الكردية . والأمة العربية .

3- الخارطة الإيديولوجية

تشترك الأمم الأربعة في الإيديولوجيات التالية :

1- الدينية : الإسلام بكافة مذاهبه وباقي الديانات الأخرى .

2- الدنيوية : القومية. الديمقراطية. الاشتراكية. يعيش إنسان الشرق أوسطي في ظل هذه الخارطات منذ آلاف السنين يتلقى التوجيهات والمواعظ التي تحثه على حبه وتفانيه من أجل جغرافيته ومن أجل هذه الجغرافية خاض حروباً طويلة مع الآخرين القريبين والبعيدين . وبنى عليها تطوره الاجتماعي. والاقتصادي. والثقافي والفني تربطه بها عواطف قوية هكذا عاش العربي    والفارسي والتركي والكردي . أربع خارطات جغرافية بجانب بعضها البعض مشتركين في الحدود والمياه والسماء والدين . إن جاءهم غزوا خارجي تعرض الجميع لهذا الغزو. توحدت جغرافيتهم في ظل إمبراطوريات عديدة ثم تفرقت لتصبح ثلاث مع تقسم جغرافية الأمة الرابعة بينهم  . و اليوم تغير الزمن و العصر و تغيرت معها المفاهيم وشكل الحقيقة فلا بد من تغيير الواقع و معه المفاهيم لتتلاءم مع شكل الحقيقة الذي تغير . ترى ما الذي حل بمفهوم الجغرافية ؟ وما الذي تغير ؟ هذا ما نبحث عنه ولكي نصل إلى الحقيقة لابد من أن نبحث عنها بين هذه الخرائط . أربع أمم يتكلمون أربعة لغات كل لغة لها قواعدها وأصولها ونطقها. لقد تألفت كل أمة مع لغتها وترى فيها شخصيتها القومية فدونت بها تاريخها وعلمتها لأجيالها. وتحاول نشرها في كل الدنيا . لقد حاولت كل لغة أن تبتلع اللغة الأخرى وتفرض نفسها عبر مختلف الأنماط السياسية : الدينية والدنيوية ومازالت تحاول . والخارطة الجغرافية والبشرية تتبعها خارطة إيديولوجية . أربع أمم بجانب بعضها البعض لكل منها إيديولوجية خاصة بها ومشتركة في إيديولوجية واحدة وهو الإسلام . الإيديولوجية الإسلامية انقسمت إلى قسمين : مذهبين رئيسين : السنة والشيعة . تزعم الفرع الأول الأمة التركية ولها امتداداتها البشرية ما بين العرب والفرس والأكراد .الفرع الثاني تزعمته الأمة الفارسية ولها أيضاً امتداداتها البشرية ما بين العرب والأتراك والأكراد . لقد زرعت قيادة الفرع الأول الحقد والكراهية منذ توليها قيادة المسلمين ضد الفرع الثاني لمئات السنين وترك آثار خطيرة جداً من التفرقة والضعف في صفوف الخارطة البشرية للأمم الأربعة.وقابلها قيادة الفرع الثاني بزرع الحقد والكراهية في صفوف أتباعهم من الأمم الأربعة ترك آثاراً بعيدة المدى من التفرقة والضعف . وكانت نتيجة هذا الزرع من الحقد والكراهية من قبل القيادتين حروب طاحنة كلفت الأمم الأربعة ملايين الضحايا البشرية وجرت اصطدامات خطيرة حتى على نطاق كل مدينة وقرية وبين جار وجار ومازال الحقد والكراهية والمفاهيم التي عفا عليها الزمن سائداً في عقول أبناء هذه الأمم اتجاه بعضهم البعض . وإننا نسمع بين حين وآخر عن اصطدامات دامية تكون نتيجتها ضحايا أبرياء كل ذلك نتيجة زرع تلك المفاهيم والأحقاد . ترى هل أريقت دماء الناس المسحوقة كرامتهم الإنسانية في الجزيرة العربية من أجل أن ينقسم الناس على بعضهم البعض ويذبحون بعضهم من أجل غايات سياسية بحتة لهذه الأمة أو الأخرى ؟ أم كانت من أجل أن يعيش الإنسان حياة حرة كريمة ؟. إن سلوك الطبقات الحاكمة التركية طوال فترة قيادتها السياسية كانت دائماً الاستبداد والقتل الجماعي - خلق الفتن - زرع بزور التفرقة . لم تسلم منهم أمـة . البلقان يشهد على ذلك والعرب والأرمن  واليونان والأكراد وحتى الطبقات التركية المسحوقة لم تسلم من جورهم وظلمهم وفسادهم . لقد سحقت الطبقات الحاكمة التركية كرامة الإنسان التركي عندما خدعه ايديولوجياً على السير في هذا الطريق . طريق ارتكاب الجرائم والفظائع بحق الإنسانية في السجون وفي المدن والقرى . وقد بينا سابقاً عن هذه الأعمال . لقد أوصلت الطبقات الحاكمة التركية الإنسان التركي إلى حالة لا إنسانية يرثى لها ، وأصبح من الضروري إنقاذ الإنسان التركي وإعادة المشاعر والعواطف الإنسانية له . أما القيادة الثانية للفرع الثاني: الشيعة قادتها الأمة الفارسية . وهي غارقة منذ عدة قرون للتفكير المثالي الميتافيزيقي وتحاول إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء بمفاهيم ونظرات قديمة ولىّ عهدها التاريخي . فتوقع نفسها في مشاكل وصراعات تسبب الأذى لها وللآخرين في هذه المنطقة من العالم . إن زرع مفاهيم إمبراطورية في عقول أبنائها وبناء مفاهيم مذهبية واعتبار نفسها حامي حمى الإسلام يؤدي إلى اصطدامات خطيرة مع الآخرين لأنه يسبب رد فعل من جانب الآخرين ، وأيضاً يطرحون نفس المفاهيم ونفس الإيديولوجية وهذا يسبب التفرقة وعدم التقرب من بعضهم البعض على أساس مفهوم إنساني وفق قانون المرحلة التاريخية المعاشة واستجابة لقانون القوة الضاغطة حسب منطق العصر . إن محاولة تبذير مليارات الدولارات على حركات شعبية لتبني نفس المفاهيم داخل نفسها وخارجها لكي تظهر على أن هناك من يؤيدها في مفاهيمها واطروحاتها وإظهار نفسها على أنها قائدة لحركة الخلاص حسب إيديولوجيات ومفاهيم ونظرات للطبيعة والمجتمع والفكر معاكسة لروح العصر، و هذا يسبب الاصطدام بحركة التطور التاريخي والتي تسير حسب قوانين موضوعية خارجة عن إرادة الإنسان وعلى كل مجتمع بشري أن يكتشف بدقة هذه الحركة ومعه القوة الضاغطة التي تتوالد مع هذا الخط ، وبالتالي طرح سياسات متوافقة مع خط سير هذه الحركة والقوة الضاغطة . أما إذا لم يجر ذلك الفهم والوعي لهذه الحركة التاريخية والقوة الضاغطة والتي تتغير باستمرار حسب مفهوم قانون المرحلة التاريخية المعاشة فيكون البديل هو فرض سياسات مخالفة لروح العصر ويسبب ذلك في نزاعات داخلية وخارجية وحروب لا معنى لها في الوقت الذي تندفع البشرية فيه إلى الأمام نحو حياة أفضل . نحو حياة مشتركة والقضاء على الحروب والنزاعات المسلحة وتدمير الأسلحة المخزونة والحفاظ على الطبيعة ، كل ذلك أصبح قوة ضاغطة أمام البشرية . إن ما نشاهده ونسمعه في داخل التناقض الثالث وهي : الأمة الفارسية من حروب أهلية خير شاهد على تلك السياسات المخالفة لروح العصر وإنسان العصر . فالحرب الفارسية العراقية والحرب الفارسية الكردية ، والحرب الفارسية الفارسية كل ذلك يترك آثاره  البعيدة على الإنسان في هذه المنطقة . إن أحلام قيادة الأمم أو إيديولوجيات ونشرها وأحلام إمبراطوريات قومية أو دينية قد انتهت وإلى الأبد. لقد بدأ عصر المساواة بين الشعوب والأمم لكل قوميته ولغته وأرضه وثقافته . لقد بدأ التفكير بتشكيل أسواق إقتصادية إقليمية تكون فيه إرادة الشعوب المتساوية في الحقوق هي السائدة في عالم اليوم يعيش في ظل هذه الأسواق الإقتصادية إنسان حر بثوابته الأربعة: الضمان الاجتماعي الضمان الصحي والتعليمي والشيخوخة . إن الأحلام القديمة والأوهام والنظريات والأفكار والمفاهيم التي رماها التاريخ لا تخلق المحبة والتعاون والوحدة بين الناس بل العكس ، كلما تمكنا بتلك المفاهيم وحاولنا تطبيقها على إنسان العصر كلما زاد الحقد والكراهية والتباعد بين الإنسان وأخيه والنتيجة ستكون وخيمة على الكل . إن شعاراً نحو كونفدرالية الشرق الأوسط بأممها الأربعة المتساوية في الحقوق لكل قوميته وأرضه ولغته يشتركون في نظام سياسي موحد وسوق اقتصادية موحدة تحت راية شرق أوسطية للأمم الأربعة العربية التركية - الفارسية - الكردية . لا يمكن أن يكون هناك أمن وسلام وازدهار اقتصادي وتقارب وتحابب في الشرق الأوسط وبالتالي خلق حياة إنسانية مشتركة في كونفدرالية مشتركة بغية تحقيق حياة إنسانية أفضل لإنسان حر إذا لم تكن هناك مساواة في كل شيء: في السياسة والاقتصاد والثقافة . إن طرح مفاهيم بعيدة عن روح العصر وإنسان العصر ، لا يمكن أن تـؤدي إلا إلى الدمار والخراب . إن الحرب الفارسية والكردية مثال على ذلك . فبدلاً من التقرب لبعضهم البعض على أساس روح العصر، على أساس شعار المساواة اشتعلت الحرب بينهما . إن شعار المحافظة على وحدة المسلمين أو وحدة إسلامية على أن تكون الأمة الفارسية هي القائدة لتلك الوحدة بلغتها وثقافتها وتاريخها وأرضها . إن هذا الخداع الايديولوجي لا يمكن أن يؤدي إلى نتيجة حسب مفهوم روح العصر . لا الكردي ولا العربي ولا التركي ينخدع بمثل هذا الخداع الايديولوجي وبالتالي لا يمكن التكلم عن وحدة المسلمين حسب هذا المفهوم لأنه مخالف لروح العصر تماماً .

لقد أوقع الشيوعيون في المنطقة أنفسهم في نفس الخطأ عندما كانوا يطرحون القضية الكردية تحت شعار ومفهوم: وحدة الأممية البروليتارية . فإذا طالب الكردي بحقه في المساواة اعتبروها تعصب قومي أو تمرد قومي على الأممية البروليتارية . إن مفهوم المحافظة على وحدة المسلمين أو مفهوم الأممية البروليتارية مفهومان واحدان يرميان إلى هدف واحد وهو خدمة الأهداف الشوفينية القومية . إن هذا الخداع الايديولوجي باعد بين شعوب المنطقة ، فبدلاً من التقرب نحو الحياة العصرية المشتركة وفق روح العصر ابتعدت هذه الشعوب عن بعضها بعضاً آلاف الكيلومترات وفتحت المجال أمام اصطدامات حروب أهلية وقومية جرت على المنطقة ويلات ومصائب كثيرة . إن التناقض الثالث بإغلاقه الباب أمام الجدل الديالكتيكي للفكر الحر . أمام القوى العصرية التي تظهر داخل شعبها وذلك بقتلها أو سجنها أو طردها أو إجبارها على الهروب من وطنها وإغلاق الباب أما الرأي الآخر لا يمكن أن يكون مؤهلاُ لحمل أية رسالة إنسانية . لنتابع طريقنا في البحث عن الدور القيادي من التناقضات الأربعة والذي يستطيع أن يلعب دور القاطرة في جر العربة نحو كونفدرالية الشرق الأوسط . ولنأت إلى التناقض الرابع: الكردي في العملية الديالكتيكية الشرق أوسطية . إن الشعب الكردي هو الذي سيلعب الدور القيادي ، دور القاطرة التي ستجر شعوب المنطقة إلى الكونفدرالية الشرق الأوسط . كونفدرالية . حياة إنسانية أفضل. وبناء الإنسان الحر ضمن سوق الشرق أوسطية إقتصادية مشتركة وذلك للأسباب التالية .

1- إن كردستان وطناً وشعباً هي أكثر الأوطان والشعوب في منطقة معرضة كرامة الإنسان فيه للسحق .

2-  إن الإنسان الكردي بكافة طبقاته الإجتماعية معرضة لقوة ضاغطة وطنية وبالتالي سيلعب دوراً كبيراً في تقديم الوقود لهذه القوة الضاغطة .

3- لا يمكن للإنسان الكردي أن يدخل في حلبة الصراع من أجل البرجزة بكافة طبقاته . ويضيع وقته في ذلك الصراع داخل الأمم الثلاثة : العربية والفارسية والتركية على السواء . وأن القوة الضاغطة الوطنية هي التي ستقنعه بعدم الخوض في هذا السباق عاجلاً أم آجلاً وإنه لا مكان لإنسانيته في هذا الصراع .

4- أمة بكاملها والبالغة ثلاثون أو أربعون مليون يعني ثلاثون مليوناً ثائر تلتقي مصالحهم الشخصية مع التوجه نحو شعار كونفدرالية الشرق الأوسط. واحة الحرية والإنسانية . وطبعاً هذا لا يحدث خلال أربع وعشرين ساعة بل سيحصل هذا تحت تأثير القوة الضاغطة وتحريك دولاب الجدل الديالكتيكي للفكر الحر .

5-  إن الإنسان الكردي لم يلوث يديه وروحه بسحق كرامة الإنسان لأنه لم يستعمر شعباً آخر . ومازال محتفظاً بالعواطف الإنسانية النبيلة في روحه .

6- إن الموقع الجيولوتيكي للشعب الكردي بين الأمم الثلاث واكتسابه ثلاث لغات والشعوب المجاورة يكسبها أهمية استراتيجية وتكتيكية  عظيمة .

7- إن حمل أي رسالة إنسانية لا تتناقض موضوعياً ولا طبقياً ولا تاريخياً مع هذا الشعب . لا يمكن للتركي إن يتكلم عن الديمقراطية . ولا عن روح الإسلام . ولا عن الاشتراكية . وأن طرح شعار المساواة يعني الاعتراف بالشعب الكردي ، وهذا يعني الاصطدام بكافة الايديولوجيات التي تغذي بها وربى أجيالاً من الناس عليها . لا يمكن للعربي أيضاً كما حال التركي أن يطرح شعار المساواة أو العدالة تكون فيها المساواة بين هذه الأمم لأن عذرها أيضاً يكمن في عدم حل مشكلة الشعب الكردي عندها . وكذلك الأمة الفارسية لأنها تجابه نفس المشكلة . إن القضية الكردية تحولت إلى قيد في يد التركي والعربي والفارسي . لقد صدق قول المفكر العظيم كارل ماركس عندما قال : (( إن شعباً حراً لا يستعبد شعباً آخر )) لا يمكن التكلم عن إنسان عربي حر ولا تركي حر ولا فارسي حر في هذه المنطقة من العالم دون فك هذا القيد . والذي يفك هذا القيد هو الشعب الكردي . كم هي رسالة عظيمة ألقاها التاريخ على كاهل الشعب الكردي ، فهل يؤديها بأمانة ، إنها رسالة أمانة لكافة شهداء الإنسانية من أجل حياة إنسانية أفضل ومن أجل إنسان حر . إنها رسالة تحمل في طياتها كل ميراث شهداء الإنسانية ، لا يستطيع أحد أن يحملها سوى الذين سحقت كرامتهم وإنه واجب عليَّ أن أذكر العربي والفارسي والتركي والكردي لقول المأثور تكمن فيه مأساة الإنسان الشرق أوسطي والإنسانية بأكملها لكي يدرك الذين لم يقتنعوا بعد بخطورة هذا القيد الحديدي . الذي يقيد يد العربي والتركي والفارسي والكردي والإنسانية جمعاء ويشل حركتهم نحو حياة أفضل . والأيام الآتية أصعب . قول صدر عن زعيم فارسي كان قد رفعه شعبه ليحمل رسالة إنسانية نحو حياة أفضل ولكن سرعان ما وقع ضحية هذا القيد الحديدي . القيد الكردي . فبدلاً من التقرب نحو هذا القيد الحديدي حسب مفهوم العصر لفكه . تقرب إليه بمفاهيم ولى زمانها وعصرها وأعلن حرباً على الشعب الكردي والذي يكمن فيه خلاص الإنسانية . وماذا كانت النتيجة وماذا قال ؟ قال الزعيم الإيراني آية الله الخميني لدى التوقيع على وثيقة وقف الحرب العراقية الإيرانية ما يلي: ( إنني أفضل أن أشرب كأس السم على التوقيع لهذه الوثيقة ) .نعم قالها آية الله الخميني . ولنسأل من أين أتت تلك المصيبة التي سموها بالحرب العراقية الإيرانية والتي دامت ثماني سنوات . ألم تكن نتيجة لهذا القيد الحديدي المسمى بالقضية الكردية . ألم تكن النتيجة الحتمية لاتفاقية الجزائر عام-1975- عندما ساوم كل من العراق وإيران يومها مع بعضهم البعض على حساب الشعب الكردي ونال كل منهم من المساومة . وبعد عقد الاتفاقية رقصوا رقصة النصر على أن كل شيء انتهى ولكن لم تنته كما خططوا لها ، بل سارت وبالاً على الشعوب الثلاثة: العربية والفارسية والكردية . ثماني سنوات من الخراب والدمار وتدمير الأسلحة التي اشتروها بعرق جبين أبناء هذه الشعوب الثلاثة. عشرات بل المئات المصانع قد دمرت . كل الجسور والطرقات التي أنشئت بسواعد أبناء هذه الشعوب ومقتل عشرات الألوف بل المئات من الشباب الذين كان يجب أن يعيشوا حياتهم . وأخيراً كان لا بد للخميني من أن يقول: (( إنني أفضل أن أشرب كأس السم على أن أوقع وثيقة وقف الحرب )) . نعم هذه هي النتيجة المنطقية والحتمية لتلك المفاهيم والآراء والنظريات التي ولى زمانها وتمسكوا بها وخططوا سياسات وأرادوا أن يعيشوا في عصر كل شيء تغير وتبدل إلا مفاهيمه وكانت النتيجة (( شرب السم )) لو كان هناك جدل ديالكتيكي للفكر الحر لدراسة القضية الكردية برمتها بين الأمم الثلاث: العربية والفارسية والكردية . هل كانت ستقع هذه الحرب؟.
لو لم تقطع ألسنة المفكرين والمثقفين والشعراء والأدباء والكتاب والسياسيين الأحرار هل كانت ستقع هذه الحرب ؟. وإننا نسأل هؤلاء المصرون على السير في هذا الطريق: لماذا السير في هذا الطريق؟ ما دامت نهايته شرب كأس السم . لقد آن الأوان لفتح الطريق  أمام الجدل الديالكتيكي للفكر الحر لإيجاد آراء وأفكار ونظريات ومفاهيم جديدة في سماء الشرق الأوسط . بين الأمم الأربعة المكبلة بقضية اسمها القضية الكردية .كي تتحرر هذه الشعوب من هذا القيد لتسير نحو حياة إنسانية أفضل . لقد آن الأوان لأن نتخلى عن العقلية الشرقية في كل ممارستنا : السياسية - الإجتماعية - والإقتصادية والثقافية والإيديولوجية لأنها لم تسقينا سوى كأس السم .

 لقد أصبحنا ألعوبة بين أيدي أعداء الإنسانية . إلى متى سيستمر هذا الوضع ؟. ألا يحق لنا أن نصرخ ونحن نتألم؟...

كم كنت عظيماً أيها الإسكافي اللندني الفيلسوف عندما قلت: نحن في الغرب إذا تألمنا نستطيع أن نصرخ ولكنكم في الشرق إذا تألمتم لم تستطيعوا أن تصرخوا . نعم ذلك هو سر تخلفنا السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والعلمي وأصبحنا ألعوبة في أيدي أعداء الإنسانية ولم يبق أمامنا سوى شرب كأس السم . نعم .. هذه هي النتيجة النهائية لكل سياسة تمارس حسب مفاهيم قديمة مع القضية الكردية . إذا لم تتغير تلك المفاهيم والنظريات والآراء وبالتالي تلك السياسات القديمة نحو القضية الكردية ستكون المنطقة بأكملها أوطاناً وشعوباً شرب كأس السم . وإليكم مسلسل شرب كأس السم والذين ذهبوا ضحية هذه المفاهيم والآراء والسياسات الخطيرة نحو القضية الكردية في العصر الحديث ناهيك عن العصر القديم .

1- لقد شرب شاه إيران كأس السم ونفي من وطنه ولم يستطع أن يجد له مكاناً في هذه الدنيا ولا من أحد يؤويه ومات حسرة.

2- لقد شرب البارزاني كأس السم ومات وهو بعيد عن أرضه وشعبه لأنه لم يغير مفاهيمه وآرائه وسياسته في قيادة القضية الكردية وقادها حسب مفاهيم قديمة ولى زمنها .

3- لقد شرب عبد الكريم قاسم كأس السم ومن قبله نوري سعيد وسيده ، والذي قتل في ثياب امرأة وعبد السلام عارف وأحمد حسن البكر وصدام حسين في الطريق إليه .

4- لقد شرب كنعان إيفيريل كأس السم وكل الجنرالات الذين أتوا بعده .

5- وتورغوت كوزال أيضاً شرب كأس السم ومسعود يلمز وقانسوه تشيلر والحبل على الجرار .

6- لقد شربت كأس السم إمبراطورية السوفييت بأكملها وانهارت لأنها خانت رسالة شهداء الإنسانية سبعون سنة .

7- إننا لا نقول هذا جزافاً ونترك التحليل العلمي الدقيق للمنطقة وخلفيات الأمور والتحليل الاقتصادي والسياسي والعسكري والبشري والجغرافي والعالمي لكل من يبحث عن الحقيقة وعندها ليخبرنا فيما إذا أصبحت لديه القناعة أم لا .

إنني أقول حسب تحليلاتي وقناعتي أن أمانة حمل رسالة الخلاص تجسدت في الشعب الكردي وهو الذي سيلعب دور القاطرة في جر المنطقة إلى الحياة الإنسانية المشتركة إلى كونفدرالية الشرق الأوسط . وباعتقادي أن قوة إنتاجية عصرية قد ظهرت ويجب أن يظهر معها مفهوم عصري وبالتالي يجب أن يتغير شكل التجمع البشري السياسي والاقتصادي ، فإذا لم تتغير مع العصر الذي حل ولم نبني حياتنا حسب مفهوم العصر الذي حل فستكون النتيجة شرب كأس السم . نعم: لقد ظهر مفهوم العصر . فكيف نفهمه في الشرق الأوسط ؟. وكيف يجب أن نتعامل معه ؟ لنعد قليلاً إلى العقليتين: الغربية والشـرقية ولنر الفرق بينهما في تعاملهما مع روح العصر . لقد استطاعت العقلية الغربية وبسرعة كبيرة التخلص من مفاهيمها وآرائها ونظرياتها القديمة وها هي اليوم تسير بخطوات مسرعة نحو الحياة المشتركة . نحو السوق الأوربية المشتركة والوحدة السياسية والنقدية . ولكن العقلية الشرقية مازالت تسير بعكس التيار متمسكة بكافة مفاهيمها وآرائها ونظرياتها القديمة . والوضع الذي نعيشه اليوم معروف لدى الجميع . انظروا إلى وضع الشعب العراقي ماذا حل به . انظروا إلى وضع الشعب الإيراني - والشعب التركي . ماذا ترون وتسمعون ؟. هل نسمع عن الأمن والسلام ؟

أم نسمع بالحروب والدمار ؟. إلى أين نحن سائرون ؟.

إذا لم تبدأ ومن الآن هذه الأمم الأربعة بالتوجه نحو حياة عصرية فالأعاصير التي ستأتي ستزيل كل أمة منعزلة خارج هذا التوجه من التاريخ . إن كل أمة منعزلة لا تستطيع أن تحمي نفسها وعزتها وكيانها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي خارج هذا التوجه العصري . وإن فعلت هذا سيكون شرب كأس السم بانتظارها . إن ما أطرحه اليوم من وجهة نظر حول المستقبل من أفكار ، فحالما تصل إلى الجماهير ستكون كبكرة خيوط كلما دارت كبرت .

نعم سيأتي اليوم الذي يخرج فيه مفهوم كونفدرالية الشرق الأوسط لبناء الحياة الإنسانية المشتركة للأمم الأربعة وتكون نواة لمن حولها وللإنسانية . نعم.. ستخرج من القمقم الذي يحاول أعداء الإنسانية إقليمياً ودولياً بعرقلة خروجها لتكون حبيسة لأنه لا توافق مصالحهم الطبقية والتي هي ضد الإنسانية . نعم ستخرج وسنظهر على صفحات الجرائد والكتب والمجلات وكافة وسائل الإعلام السمعية والبصرية .وستتحول إلى مادة للنقاش للجدل الديالكتيكي للفكر الحر يبن كافة طبقات الإجتماعية والفئات للأمم الأربعة: العربية والتركية والفارسية والكردية . وتلك هي مهمة رجال الإعلام لإيصالها إلى أوسع الجماهير المتعطشة للحياة الإنسانية المشتركة .

كونفدرالية الشرق الأوسط بأممها الأربعة والحياة الإنسانية المشتركة أصبحت قوة ضاغطة تفرض نفسها وتكون هي طريق خلاص الإنسانية وذلك للأسباب الآتية:

1- إن ما يجري الآن من تفاعلات إجتماعية وإقتصادية وسياسية وعسكرية وثقافية في ظل السياسات السائدة للأمم الأربعة ستؤدي إلى النتائج التالية :

أ- نظراً للكيانات السياسية المنعزلة للقوميات الثلاث: العربية والفارسية والتركية يجري فيها صراعات طبقية  شديدة . كل الناس في الأمم الثلاث صراع من أجل البرجزة . والكل يركض ليلاً ونهاراً لحصول على المال .

لا أحد يلتفت إلى الثاني كل يستخدم طريقة معينة في الحصول على حياة البرجزة . والنتيجة البعيدة لهذا الصراع ولعدم وجود ضمان اجتماعي هو محو الطبقة المتوسطة وتتشكل طبقتين: طبقة تملك جميع وسائل الإنتاج والمال والثروة . وطبقة مسحوقة من جميع النواحي . هذه الطبقة ستعيش حياة لا تليق بكرامة الإنسان مما يفتح الباب أمام كافة أنواع الإجرام واللصوصية . وفي هذه الحالة ستصبح الطبقتين العليا والدنيا معاً في خطر شديد . يفقد الناس كافة المشاعر الإنسانية والعواطف النبيلة والقيم والأخلاق .

ويسود الحقد والكراهية والحسد والغيرة والأنانية والتفرقة والكذب والغش والخداع ... وتسود شريعة الغاب . ستضطر الطبقة مالكة وسائل الإنتاج إلى التشديد في حكمها مما يزيد من أجهزة القمع وتكثر من السجون والمعتقلات مما يزيد الطين بلة ، وهذا الوضع يفتح الباب أمام هجرة مئات الألوف من الناس عن ديارهم وأوطانهم باحثين عن لقمة العيش والأمان . وفي مثل هذه الحالة ستظهر حركات مختلفة دينية وديمقراطية . اشتراكية متطرفة ويطرحون نفسهم للخلاص وتبدأ بوادر حرب أهلية تسود فيها شريعة القتل والتدمير والخراب والسلب والنهب . وفي ظل هذه الأجواء من التخلف السياسي والاقتصادي والاجتماعي لا تنفع الدعوة إلى الأخوة والمحبة بين الناس والوحدة والتضامن . ولا يمكن التكلم عن أي حياة إنسانية مشتركة ولا عن التطور والإبداع. هذه هي النتائج الرهيبة للسير في ظل مفاهيم وآراء ونظريات ولى عهدها ، والابتعاد عن روح العصر . إن أية دولة منعزلة لا تستطيع أن تقدم لشعبها الضمان الاجتماعي والصحي والتعليمي والشيخوخة وذلك للأسباب التالية :

إن كل دولة مشغولة في صرف نسب كبيرة من الدخل القومي لبناء قوة عسكرية لها للدفاع عن نفسها ضد الأعداء الداخليين والخارجيين ، وستبقى نسبة قليلة جداً من الدخل القومي يتهافت الناس المسحوقة كرامتهم عليها . وهذه النسبة لا تكفي حتى تقديم أدنى متطلبات الحياة اليومية لأبنائها وتكون النتيجة تفاوت طبقي شديد يختل معه التوازن الاجتماعي والاقتصادي والتعليمي والعمراني والمعيشي ، ويهتز كل الكيان الإنساني بهذا المجتمع ، فلم يبقى أمامه سوى شرب كأس السم .

وهذه هي النتائج السيئة لممارسة العقلية الشرقية . وفي الجانب الآخر سنزيد العقلية الغربية الخناق على الشرق نتيجة توفير مناخ الحرية لشعوبها والوصول إلى الوحدة الأوربية المشتركة .ومع مناخ الحرية ستبدع كل يوم مخترعات جديدة وتطرحها في أسواقنا ولكن القوة الشرائية للطبقات المسحوقة في شرقنا لا تستطيع أن تنال نصيبها من تلك المخترعات ، مما يزيد في آلام الطبقة المسحوقة .

ومع فقدان مناخ الحرية في شرقنا تتوقف حركة التطور الإبداعي بأكمله ، مما ستزداد تبعيتنا للعقلية الغربية في كل مناحي الحياة، وبذلك يفتح الباب أمام التدخل الخارجي وستنقلب كل الأمم الشرقية إلى ألعوبة بين أيديهم ، يدفعون الأمم الشرقية لمقاتلة بعضهم البعض متى شاءوا . يخنقوا الأمم الشرقية اقتصادياً متى أرادوا ، يفرضون على هذا البلد أو ذاك القيادة السياسية التي يريدونها والأنظمة التي يشتهونها وينقلب كل الشرق الأوسط إلى ساحة صراع الديوك ، يتركوننا ننتف ريش بعضنا البعض لكي يمتعوا أنظارهم يالها من حياة ومأساة تنتظرنا .

مسكين أيها الإنسان الشرق أوسطي ، لو تعرف ما ينتظرك وأنت في غفلة من الزمن . إنني أخوك الإنسان أطلق صرختي من ألمي لما ينتظر بني الإنسان في هذه المنطقة من العالم لعلك تصحوا وتسير في طريق الخلاص الإنساني . تقرب من القضية الكردية بعقل متفتح ، وادرسها بعمق ، وحدد موقفك ، ولا تخدعنك كل الآراء والمفاهيم والنظرات التي ولى عهدها . لا تقطع غصن الشجرة التي أنت واقف عليها . لا خلاص لنا من كل المآسي التي تنتظرنا ، ولا نستطيع الإفلات من طوق اللعبة التي يمارسها أعداء الإنسانية بنا سوى التوجه نحو كونفدرالية الشرق الأوسط . تضم الأمم الأربعة: العربية والتركية والفارسية والكردية في وحدة سياسية إقتصادية مشتركة على قدم المساواة  يعيش في ظلها الإنسان مع ثوابته الأربعة. وبتحقيق هذا الهدف سيسود الحب والعطف والتعاون بين الناس وسيختفي الحقد والكراهية والحرب والدمار بين هذه الأمم . وعندها لسنا بحاجة إلى صرف مليارات الدولارات على شراء الأسلحة وتشكيل جيوش جرارة . وستنقلب كل هذه الأموال الطائلة إلى الضمانة الاجتماعي والصحي والتعليمي والشيخوخة . إن أرض هذه الأمم الأربعة فيها من الخيرات والمواد الأولية للصناعة تكفي لإعاشة سكان هذه الأمم حياة كريمة . ستكون هذه الكونفدرالية واحة للحرية لكل الأحرار في العالم . وبإزالة الحقد القومية والعداء القومي وسيادة الأمن والسلام .وتحقيق المساواة بين الأمم وضمان حياة الناس في عيش كريم وتوفير مناخ الحرية سيفتح الباب والطريق أمام كل المبدعين في هذه الأمم الأربعة . وليخترعوا ويصنعوا كل ما تطلبه الحياة العصرية ، عندها تكون رسالة شهداء الإنسانية تحققت من أجل إنسانية أفضل . وعندما تحققت تلك الرسالة يكون لزاماً علينا أن نجعل لهم يوماً في حياتنا عيداً لذكراهم ونضعه باقات الزهور على قبورهم ونتلو الدعوات والصلوات على أرواحهم .

التطورات المحتملة في الشرق الأوسط نحو الرسالة الإنسانية مع الأمم الأربعة: تحت تأثير القوة الضاغطة والظروف السياسية والاجتماعية والإقتصادية والأمنية التي ستتشـكل في الشرق الأوسط يوماً بعد يوم ستضعف الرابطة الإنسانية بين الناس ، وستصل إلى درجة الانفجار ولا بد من الخلاص من هذا الوضع اللاإنساني ، و إن الذي سيحمل هذه الرسالة .. رسالة خلاص الإنسان نحو حياة إنسانية أفضل هو الشعب الكردي . إن كافة الظروف الموضوعية والذاتية للشعب الكردي مؤاتية لحمل هذه الرسالة . ونظراً لموقع وطنه كردستان الجيوبولوتيكي والمرتبط بالأمم الثلاث سيلعب دور التناقض الرئيسي فيما بين التناقضات الأخرى . وبظهور حزب العمال الكردستاني  - P.K.K. – بتكوينه العصري والمستند إلى قوة إجتماعية عصرية. وتزعمه شخصية تاريخية عبد الله أوج آلان . آبو . لم يعد أمام هذا الحزب سوى طرح إيديولوجية مراعياً فيها كافة الظروف الموضوعية والذاتية للتناقضات الأربعة ومتوافقاً مع القوة الضاغطة التي ظهرت بحلول العصر ومع حركة التطور التاريخي .

لا يمكن الوصول إلى تلك الإيديولوجية واكتشاف القوة الضاغطة إلا بالطرح الفكري الديالكتيكي الحر تشترك فيها كل القوى الفكرية في التناقضات الأربعة . القوى الفكرية القديمة والحديثة . كلما كان الجدل الديالكتيكي حاداً كلما ظهرت الحقيقة التي تنير الدرب أمام الجديد . كلما دار دولاب الجدل الديالكتيكي الحر كلما انتهى الخداع الايديولوجي الذي يتستر وراءه القديم .

سيحاول القديم داخلياً وخارجياً بتوقيف هذا الدولاب بكل الوسائل الممكنة بالعنف والخداع الايديولوجي والتشهير والتصفية الجسدية. ولكن حالما يبدأ الدولاب بالدوران لا يستطيع أحد في هذه الدنيا أن يوقفه لماذا ؟ لأن الحقيقة ستظهر . والحقيقة تفرض نفسها ولنضرب أمثلة من التاريخ: عندما اكتشف غاليله كروية الأرض في زمان كانت كل القوى المادية والمعنوية والروحية في أيدي أنصار الجهل والاستبداد واستطاعت تلك القوة أن تقتل ذلك العبقري الذي اكتشف هذا الاكتشاف ولكن القوة الجاهلة والمستبدة برغم قوتها وجبروتها لم تستطع طمس حقيقة كروية الأرض ولا استطاعت أن تسكت صوت العلم أبداً . وسارت الإنسانية ولم تتوقف وفرض هذا الاكتشاف نفسه وانتهت قوة الجهلاء والمستبدين وبقي فكر غاليله إلى الأبد .

عندما بشر الرسول(ص) رسالة الإسلام للناس كان الناس يعبدون الأصنام ويعتبرونها آلهة لهم بجانب ممارستهم لآلاف من العادات والتقاليد التي كانت غير لائقة بالإنسان لقد لاقى الرسول (ص) أذاً كبيراً من القوة الجاهلة والتي كانت معها كل القوة المادية والمعنوية والروحية وأجبروا الرسول على الهجرة من دياره ، ولكنه لم ييأس من الدعوة إلى الرسالة الإسلامية بالرغم من الأذى الكبير الذي كان يلاقيه . لقد تحلى الرسول (ص) بالصبر وتابع نضاله في خلاص الناس من الجهل وقال كلمته المشهورة والتي دونت في صفحات التاريخ (( اللهم اهدي قومي فإنهم لا يعلمون )) . لو يعلم الناس إلى أين يسير الشرق الأوسط بأممه الأربعة وأي مصير ينتظر الإنسان فيه وإن لم نفق من ثباتنا ستنتظرنا أيام صعبة وإن كأس السم الذي شربه الخميني بانتظارنا جميعاً .

نعم هكذا علمنا التاريخ .. ها هي الإنسانية تنعم بما اكتشفه غاليله وها هي مليارات البشر يتبعون رسالة النبي الأعظم (ص)

هل استطاعت قوة الجهل والخرافة والاستبداد أن تقضي على الحقيقة ؟ مرة أخرى يطرح التاريخ أمامنا مأزقاً إنسانياً خطيراً في الشرق الأوسط .

مرة أخرى يحتاج الأمر لكشف الحقيقة التي ترشدنا لطريق الخلاص .مرة أخرى الناس مجبرون تحت قوة ضاغطة ظهرت بشكل آخر وفي عصر آخر ويكون طريق الخلاص . وبشكل آخر ومع رسالة أخرى . تلك هي مهمة قيادة الشعب الكردي . التناقض الرئيسي الذي سيلعب دور القاطرة لجر كل التناقضات إلى كونفدرالية الشرق الأوسط وعلى قدم المساواة في الحقوق والواجبات.. تلك هي الإيديولوجية التي ستجمع بين طياتها تلك العناصر العصرية والتي ستلعب دور المغناطيس في جذب ملايين الناس الذين سحقت كرامتهم الإنسانية من الأمم الأربعة ويتجهوا نحو حياة إنسانية مشتركة في ظل كونفدرالية الشرق الأوسط . واحة الحرية .

إن تلك الإيديولوجية متروكة لحزب العمال الكردستاني لصياغتها ونشرها بين كل التناقضات الأربعة ، وعليه قيادتها لتصل إلى شاطئ الأمان .

وفي الختام لا بد لي من أن أحيي كل شهداء الإنسانية بدءاً من الجزيرة العربية في ظل راية الإسلام وشهداء الثورة الفرنسية في ظل راية الديمقراطية وشهداء الثورة الروسية في ظل راية الاشتراكية . وشهداء الثورة الكردية في ظل راية الرسالة الإنسانية . أن أملي وأمنياتي وطموحاتي الإنسانية أن تكون كونفدرالية الشرق الأوسط خاتمة لمعاناة  وعذاب الإنسانية . حياة حرة كريمة تسود فيها المحبة والإخاء والمساواة والعدل والأمن والسلام بين بني البشر .

إن أمنياتي وطموحاتي الإنسانية أن يحافظ بنو الإنسان على الطبيعة الرائعة - الرائعة بأرضها وسمائها وبحارها  من عبث أعداء الإنسانية . إنها الأم الحنون لبني الإنسان .

حلب في/   /   /1996

نصير الإنسان المظلوم والإنسانية

 محمد تومة

أبو إلياس